
حينما تهتز معاني الرحمة والإنسانية… عقوق الوالدين جريمة أخلاقية تهدد تماسك المجتمع
بقلم: سماح محروس
حينما تهتز معاني الرحمة والإنسانية، ويغيب البر والإحسان، يصبح عقوق الوالدين أحد أخطر الظواهر التي تهدد قيم المجتمع وأخلاقه. فالأب والأم هما من قدّما أعمارهما وراحتهما من أجل الأبناء، وتحملّا سنوات طويلة من الكفاح والتضحية والعطاء، أملاً في أن يجنيا في شيخوختهما ثمرة البر والوفاء، لا القسوة والجحود.
إن جميع الشرائع السماوية أكدت مكانة الوالدين، وربطت برهما بطاعة الله سبحانه وتعالى، وجعلت الإحسان إليهما فريضة لا تسقط مع تقدّم العمر أو تغير الظروف، بل تزداد وجوبًا عندما يصبحان في حاجة إلى الرعاية والرحمة. ومن هنا، فإن أي اعتداء على الوالدين، سواء كان لفظيًا أو جسديًا أو نفسيًا، لا يمثل مجرد مخالفة أخلاقية، بل سقوطًا إنسانيًا مؤلمًا يرفضه الدين والمجتمع والقانون.
وما نشهده أحيانًا من مشاهد قاسية لأبناء يسيئون إلى آبائهم وأمهاتهم يطرح تساؤلًا مؤلمًا: هل تكون نهاية سنوات التضحية والعطاء أن يواجه الوالدان الإهانة ممن أفنوا حياتهم في تربيتهم؟ وهل أصبح العقوق ثمنًا يدفعه بعض الآباء والأمهات بعد رحلة طويلة من الكفاح؟
إن مثل هذه النماذج لا ينبغي أن تُعد أمرًا عاديًا أو سلوكًا يمكن التغاضي عنه، بل هي ظاهرة تستوجب المواجهة المجتمعية والقانونية، حتى لا تتحول إلى سلوك متكرر يهدد الأسرة المصرية وقيمها الراسخة. فالردع العادل ضرورة لحماية الآباء والأمهات، وإرسال رسالة واضحة بأن كرامة الوالدين مصونة، وأن الاعتداء عليهما أمر مرفوض بكل صوره.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن إغفال خطورة المخدرات وما تسببه من انهيار أخلاقي واجتماعي لدى بعض المتعاطين، إلا أن التعاطي لا يمكن أن يكون مبررًا لعقوق الوالدين أو ارتكاب أي اعتداء بحقهما. فالمخدرات آفة تهدد المجتمع بأكمله، وتستوجب مواجهة حاسمة لكل من يروجها أو يتاجر بها، حمايةً للشباب والأجيال القادمة.
كما تفرض علينا هذه المشاهد مراجعة أساليب التربية داخل الأسرة. فالعطاء للأبناء ضرورة، لكنه يجب أن يقترن بالتربية السليمة وغرس قيم الاحترام والرحمة وتحمل المسؤولية. فالإفراط في العطاء دون بناء القيم قد يترك فراغًا أخلاقيًا، بينما الاعتدال في التربية، مع ترسيخ قيمة بر الوالدين، يصنع أجيالًا أكثر وعيًا وإنسانية.
إن بناء مجتمع متماسك يبدأ من الأسرة، ومن تعليم الأبناء أن بر الوالدين ليس مجرد واجب اجتماعي، بل عبادة وقيمة إنسانية عظيمة، وأن العقوق من أكبر الذنوب وأشدها أثرًا على الفرد والمجتمع.
رحم الله آباءنا وأمهاتنا، الأحياء منهم والأموات، وجزى كل أب وأم خير الجزاء على ما قدماه من عطاء وتضحية، وحفظ الله مصر وأهلها من كل سوء، وأدام عليها نعمة الرحمة والتراحم، وسيادة القانون والعدل، ليبقى المجتمع قائمًا على الاحترام والإنسانية، لا على الجحود والقسوة



