أقلام حره

حورية خذير.. حين تتحول الكتابة إلى صناعة للوعي والصورة

كتب اشرف ابواليزيد

في عالم تتسارع فيه التحولات الرقمية، لم تعد الكتابة مجرد كلمات تُدوّن على الورق، ولم يعد السيناريو نصًا ينتظر أن يتحول إلى صورة، بل أصبح جزءًا من صناعة متكاملة تجمع بين الإبداع والإعلام والتكنولوجيا والاقتصاد. وفي قلب هذا المشهد تبرز الكاتبة والسيناريست والباحثة الجزائرية حورية خذير، بوصفها واحدة من الكفاءات التي جمعت بين التجربة العملية في المجال السمعي البصري، والبحث في الإعلام الرقمي والصناعات الإبداعية، والإنتاج الأدبي والثقافي.

تمتلك حورية خذير مسيرة مهنية متعددة المسارات، إلا أن الكتابة تظل الخيط الذي يجمع بينها جميعًا. فهي كاتبة سيناريو ومؤلفة وباحثة في الإعلام الرقمي والصناعات الإبداعية والسمعية البصرية، عملت على تطوير المحتوى وتوظيف السرد القصصي في بناء الصورة والهوية وصياغة خطاب قادر على التأثير في الجمهور.

ومن أبرز ما يميز تجربتها أنها لم تحصر نفسها داخل حدود الكتابة الدرامية فقط، بل انتقلت من صناعة النص إلى الاهتمام بالصناعة التي تحتضنه، وبالقوانين والحقوق والمؤسسات التي تحمي الإبداع وتساعده على الاستمرار. وقد تجسد ذلك في عضويتها بمجلس إدارة الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة (ONDA) ممثلة لفئة الدراما خلال الفترة من 2016 إلى 2022، إلى جانب عضويتها في اللجنة التقنية لتعريف المصنفات، فضلًا عن مشاركتها عام 2021 في لجنة صياغة قانون الصناعة السينمائية الجزائرية.

كما تولت سابقًا رئاسة أول منظمة جزائرية لكتاب السيناريو، وهي تجربة تعكس اهتمامها بتحويل العمل الفردي للمبدع إلى حضور مؤسسي يدافع عن المهنة ويسهم في تطويرها.

وعلى مستوى الدراما، تحمل مسيرتها مجموعة من الأعمال التلفزيونية التي امتدت عبر سنوات، من بينها «دوامة الحياة» عام 2006، و**«سحر المرجان»** عام 2011، و**«شمس الحقيقة»** عام 2012، وصولًا إلى «عندما تجرحنا الأيام» عام 2022، إلى جانب أعمال ومشروعات أخرى في المجال السمعي البصري.

وللطفل مساحة واضحة في تجربتها الإبداعية؛ فقد ساهمت في كتابة وتطوير محتوى وأعمال موجهة للأطفال، من بينها «بيت العائلة»، و«في مدرستي»، و«الجار فؤاد»، و«رمضان الخير»، و«خوخة والأصدقاء»، كما عملت مؤلفة ومشرفة فنية على مسلسل الرسوم المتحركة «خوخة». وفي عام 2025 عملت ككاتبة سيناريو ومطورة برامج موجهة للأطفال مع قناة 4Kids.

هذه العلاقة بالطفل لم تتوقف عند الشاشة، بل امتدت إلى التأليف التعليمي والتربوي، حيث قدمت عشرات القصص الموجهة للأطفال في موضوعات مثل الفيزياء والذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة، في تجربة تسعى إلى تبسيط المعرفة وتحويل المفاهيم العلمية الحديثة إلى محتوى قصصي قريب من خيال الطفل.

وفي الأدب، حضرت حورية خذير من خلال أعمال منشورة، من بينها رواية «بوابة سيفار ما وراء الجدار الجليدى» الصادرة عام 2025 ، بينما يعكس كتابها لعام 2026 «فن سينما الموبايل وأسرار بناء إمبراطورية المؤثرين: من كتابة السيناريو إلى الانتشار» اهتمامها بالتحولات التي أحدثتها المنصات الرقمية في صناعة الصورة والمحتوى والتأثير.

وهنا تظهر إحدى أهم سمات تجربتها؛ فهي لا تنظر إلى السينما والإعلام الرقمي باعتبارهما عالمين منفصلين، وإنما باعتبارهما امتدادًا لعملية واحدة تتغير فيها أدوات الإنتاج والتوزيع بينما تظل قوة الفكرة والسرد في مركز صناعة التأثير.

وقد امتد حضورها إلى التدريب والتأطير الثقافي، من خلال تقديم ورش متخصصة في كتابة السيناريو، ومحاضرات وندوات حول تقنيات السرد القصصي، والاقتباس من الرواية إلى الدراما، والدراما العربية وآليات بناء السيناريو، فضلًا عن المشاركة في ملتقيات ومؤتمرات وطنية وعربية متخصصة في الإعلام والسينما والكتابة الدرامية.

كما شاركت في لجان تحكيم لفعاليات ومهرجانات فنية وثقافية، وتولت رئاسة لجنة تحكيم الأيام الوطنية للفيلم القصير عام 2018، إلى جانب خبرتها في تقييم الأعمال السينمائية والتلفزيونية والأدبية.

وتمنحها خبرتها في الملكية الفكرية وحقوق المؤلف بُعدًا إضافيًا؛ فالمبدع بالنسبة إليها ليس منتجًا للنص فقط، وإنما صاحب حق يجب أن تحميه منظومة قانونية ومهنية، خصوصًا في زمن أصبحت فيه إعادة إنتاج المحتوى ونشره وتداوله أكثر سرعة وتعقيدًا بفعل التكنولوجيا والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

إن تجربة حورية خذير تقدم نموذجًا للمثقف والمبدع الذي لم يكتفِ بصناعة العمل الفني، بل اقترب من تفاصيل الصناعة نفسها: من السيناريو إلى الإنتاج، ومن حقوق المؤلف إلى التشريع، ومن أدب الطفل إلى المحتوى الرقمي، ومن الدراما التلفزيونية إلى سينما الموبايل واقتصاد المؤثرين.

وفي زمن تتغير فيه قواعد الإعلام والإبداع بصورة متسارعة، تبدو مثل هذه التجارب أكثر أهمية؛ لأن المستقبل لن يكون للكتابة المنعزلة عن التكنولوجيا، ولا للتكنولوجيا الخالية من الفكرة، وإنما لمن يستطيع الجمع بين قوة الحكاية، وفهم الجمهور، وإتقان أدوات العصر، والوعي بحقوق المبدع وقيمة الصناعات الإبداعية في بناء اقتصاد المعرفة.

وحورية خذير، عبر مسيرة تمتد بين النص والصورة والبحث والتدريب والعمل المؤسسي، تقدم تجربة تؤكد أن السيناريو قد يبدأ من صفحة بيضاء، لكنه حين يمتلك الفكرة والرؤية يمكن أن يتحول إلى صورة، وإلى معرفة، وإلى صناعة، وإلى أثر يتجاوز حدود الشاشة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock