أقلام حره

استراتيجيات الذكاء النفسي الذاتي وأثره في التميز الوظيفي

بقلم د اسماء فليح :جامعة بابل
شهد علم النفس خلال العقود الأخيرة تحولًا واضحًا في نظرته إلى الإنسان العامل؛ فلم تعد القدرات العقلية والمعرفية وحدها تمثل المحدد الأساسي للنجاح والتميز في الحياة المهنية، بل أصبح الاهتمام يتجه بصورة متزايدة نحو الجوانب الانفعالية والشخصية والاجتماعية التي تساعد الفرد على فهم ذاته وإدارة انفعالاته والتعامل بصورة متوازنة مع الآخرين. ومن هنا برز مفهوم الذكاء الانفعالي أو العاطفي بوصفه أحد المفاهيم المهمة في علم النفس المعاصر، ولا سيما في مجالات علم النفس التنظيمي والمهني والإدارة والقيادة.
الذكاء النفسي الذاتي هو قدرة الإنسان على فهم مشاعره، ودوافعه، ونقاط قوة وضغطة شخصيته بعمق، وهو المحرك الأساسي لتحقيق التميز الوظيفي والنجاح المهني. في الآونة الأخيرة، انتشر مصطلح الذكاء النفسي الذاتي بشدة في أقسام الموارد البشرية إذ أدركت المنظمات أن مراعاة الفروق الدقيقة في المشاعر الإنسانية في مكان العمل له العديد من الفوائد، فهي تعزز من التعاون بين الموظفين، إلى جانب دورها في خلق بيئة عمل صحية وإيجابية، وفي سطور هذا المقال نوضح مفهوم الذكاء العاطفي وأهميته، وكيفية توظيفه في بيئة العمل.

يشير مصطلح الذكاء النفسي الذاتي إلى القدرة على تحديد وفهم وإدارة المشاعر، للفرد ذاته ولمن حوله، بما يمكن من التعامل مع العلاقات الشخصية بنوع من التعاطف، وهو ما يؤدي إلى تحقيق الأهداف الوظيفية بصورة أفضل.

ويتكون الذكاء النفسي من عناصر خمسة أساسية وهي: الوعي الذاتي، والتنظيم الذاتي، والتحفيز، والتعاطف، والمهارات الاجتماعية.

ويمتاز الأشخاص الذين يتمتعون بمستوى عالِ من الذكاء النفسي، بقدرتهم على تحديد ما يشعرون به، وما تعنيه تلك المشاعر، وكيف تؤثر على سلوكهم ومن ثم على الآخرين.وعلى الرغم من صعوبة إدارة مشاعر الآخرين والتحكم فيها؛ إلا أنه يمكن تفسير سلوكياتهم في حال تحديد المشاعر الكامنة من ورائها، وهو ما يسهل من التعامل معهم.

 


وعلى الرغم من أن الاهتمام بالجانب الانفعالي للإنسان ليس جديدًا بصورة مطلقة، فإن التحول العلمي في التعامل معه بوصفه مجموعة من القدرات والمهارات القابلة للدراسة والتقويم والتطوير ارتبط بصورة واضحة بالأبحاث التي ظهرت في نهاية القرن العشرين. فقد قدم سالوفي وماير مفهوم الذكاء الانفعالي في عام 1990، ثم تطور الاهتمام به خلال التسعينيات، وازدادت شهرته في المجالين النفسي والإداري مع أعمال باحثين من أبرزهم دانيال جولمان. وتشير الأدبيات إلى أن مجال الذكاء الانفعالي بدأ يكتسب اهتمامًا كبيرًا منذ تسعينيات القرن الماضي، وأصبح موضوعًا حاضرًا في علم النفس والإدارة والسلوك التنظيمي والقيادة.

أصبح موضوع الذكاء النفسي الذاتي في العصر الحديث أكثر ارتباطًا بمستقبل العمل؛ فالمؤسسات الحديثة لا تبحث فقط عن أشخاص يمتلكون المعلومات، وإنما تحتاج إلى أفراد يستطيعون التعلم والتكيف والعمل مع الآخرين وإدارة المواقف المعقدة. الذكاء النفسي الذاتي والتميز في المستقبل
مع التحولات المتسارعة في طبيعة العمل والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، أصبحت القدرة على التعلم والتكيف أكثر أهمية. وقد تتغير بعض المهارات التقنية بسرعة، لكن القدرة على فهم الذات وتنظيم الانفعالات والتواصل والتكيف تمثل جوانب إنسانية مهمة في الأداء.
ومن هنا يمكن النظر إلى الذكاء النفسي الذاتي باعتباره موردًا نفسيًا يساعد الفرد على التعامل مع المستقبل المهني، وليس مجرد مهارة مرتبطة بموقف وظيفي معين.

وقد انتقل الاهتمام من السؤال التقليدي: ماذا يعرف الفرد؟ إلى سؤال أكثر شمولًا: كيف يفهم الفرد نفسه، وكيف يدير مشاعره، وكيف يستخدمها بصورة تساعده على تحقيق أهدافه؟ ومن هذا المنطلق أصبح الذكاء النفسي الذاتي، بمعناه المرتبط بالوعي بالذات وتنظيم الانفعالات والدافعية والتقييم الواقعي للقدرات، عنصرًا مهمًا في بناء الشخصية المهنية المتوازنة.
وتزداد أهمية هذا الموضوع في بيئات العمل المعاصرة التي تتصف بالتغير المستمر، وارتفاع متطلبات الأداء، وتعدد المسؤوليات، وسرعة اتخاذ القرارات، والتعامل مع أشخاص يختلفون في شخصياتهم واحتياجاتهم وطرق تفكيرهم. ولذلك فإن امتلاك الفرد للمعرفة المهنية وحدها قد لا يكون كافيًا للوصول إلى مستوى مرتفع من الأداء؛ إذ يحتاج إلى القدرة على ضبط انفعالاته، وتحمل الضغوط، والتعامل مع النقد، والاستفادة من الأخطاء، وبناء علاقات مهنية إيجابية

لم يكن الاهتمام بالعلاقة بين العقل والانفعال وليد الدراسات الحديثة؛ فقد تناولت الفلسفة وعلم النفس منذ فترات مبكرة طبيعة الإنسان والانفعالات وتأثيرها في التفكير والسلوك. وكان يُنظر في كثير من التصورات القديمة إلى العقل والانفعال بوصفهما جانبين قد يتعاونان أحيانًا ويتعارضان أحيانًا أخرى.
ومع ظهور علم النفس الحديث أصبح الانفعال موضوعًا أكثر وضوحًا للدراسة العلمية، وبدأ الباحثون بدراسة أثر المشاعر والدوافع في الانتباه والتذكر والتعلم واتخاذ القرار والسلوك الاجتماعي.وفي بدايات القياس النفسي ركزت الاختبارات بصورة كبيرة على القدرات المعرفية، ولا سيما الذكاء العقلي والقدرات اللفظية والمنطقية. غير أن تطور علم النفس أظهر تدريجيًا أن الأداء الإنساني لا يمكن تفسيره بالقدرات العقلية المجردة وحدها.
شهد علم النفس خلال القرن العشرين توسعًا في مفهوم الذكاء، وظهرت اتجاهات ترى أن الإنسان يمتلك مجموعة متنوعة من القدرات التي لا تختزل في القدرة على حل المشكلات المنطقية أو الحصول على درجات مرتفعة في اختبارات الذكاء.
ومع نهاية القرن العشرين أصبح مفهوم الذكاء الانفعالي أكثر وضوحًا، وبدأ الباحثون يميزون بين المعرفة الانفعالية وبين مجرد امتلاك المشاعر وخلال تسعينيات القرن العشرين اتسع الاهتمام بالمفهوم، وأصبح موضوعًا حاضرًا في علم النفس والتعليم والإدارة والعمل والقيادة. ثم أسهم دانيال جولمان في نشر المفهوم على نطاق واسع وربطه بمهارات مثل الوعي بالذات وإدارة الذات والوعي الاجتماعي وإدارة العلاقات.

ومن المهم علميًا عدم التعامل مع الذكاء النفسيباعتباره مفهومًا واحدًا متفقًا عليه بصورة كاملة؛ فقد ظهرت عدة نماذج وطرق للقياس، منها نماذج تركز على الذكاء بوصفه قدرة، وأخرى تعتمد على التقرير الذاتي أو السمات، وأخرى تجمع بين مجموعة من المهارات والخصائص الشخصية. وقد أشارت المراجعات العلمية إلى وجود نقاشات منهجية حول تعريف الذكاء الانفعالي وطرق قياسه وعلاقته بالأداء.
يمكن تناول الذكاء النفسي الذاتي بوصفه مجموعة من القدرات والمهارات التي تمكن الفرد من فهم ذاته من الناحية النفسية والانفعالية، والتعرف إلى مشاعره ودوافعه ونقاط قوته والجوانب التي يحتاج إلى تطويرها، ثم تنظيم استجاباته بما يتناسب مع المواقف المختلفة. ومن أبرز عناصر الذكاء النفسي الذاتي: الوعي بالذات.. فهم الانفعالات.. تنظيم الانفعالات.
الدافعية الذاتية.. الثقة الواقعية بالنفس.. القدرة على مراجعة السلوك.. تحمل المسؤولية النفسية عن القرارات.. المرونة في مواجهة التغير.. التعلم من الخبرات والأخطاء> المحافظة على التوازن النفسي في المواقف الضاغطة.
أصبحت المؤسسات الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على العمل الجماعي والتواصل المستمر، مما جعل المهارات النفسية والانفعالية جزءًا مهمًا من الأداء المهني.
فالعمل لا يقوم على المهارات الفنية فقط، وإنما يحتاج كذلك إلى قدرة الفرد على التعامل مع الزملاء والمديرين والمراجعين والعملاء والطلاب أو المستفيدين بحسب طبيعة المهنة.
الذكاء النفسي الذاتي وعلاقته بالتميز الوظيفييمكن النظر إلى التميز الوظيفي باعتباره قدرة الموظف على تحقيق مستوى مرتفع من الأداء يتجاوز مجرد تنفيذ الحد الأدنى من متطلبات العمل. ويشمل التميز الوظيفي أبعادًا متعددة، منها:
–
جودة الأداء. الإنتاجية. الالتزام.– تحمل المسؤولية.المبادرة. القدرة على حل المشكلات. العمل الجماعي.القدرة على التكيف. التعلم المستمر. التعامل الإيجابي مع ضغوط العمل. ومن هنا يمكن تصور العلاقة بين الذكاء النفسي الذاتي والتميز الوظيفي على النحو الآتي:
الوعي بالذات ← تنظيم الانفعال ← تحسين القرار ← تحسين العلاقات المهنية ← رفع جودة الأداء ← زيادة فرص التميز الوظيفي.
ولا يعني هذا أن الذكاء النفسي وحده يحدد النجاح المهني؛ فالأداء الوظيفي يتأثر أيضًا بالمعرفة والخبرة والقدرات العقلية وطبيعة الوظيفة والبيئة التنظيمية والموارد المتاحة. وقد أكدت مراجعات علمية في مجال الذكاء الانفعالي التنظيمي أهمية مراعاة سياق المنظمة وخصائص الموظف عند تفسير العلاقة بين الذكاء الانفعالي ومعايير العمل.
يواجه الموظف بصورة مستمرة مواقف تتطلب اتخاذ القرارات، وبعضها قد يكون تحت ضغط الوقت أو في ظل نقص المعلومات. وقد تؤثر الحالة الانفعالية في طريقة تفسير المعلومات وتحديد البدائل واختيار الاستجابة.لذلك فإن الوعي بالحالة النفسية يساعد الفرد على اكتشاف الحالات التي قد يكون فيها متأثرًا بالغضب أو الخوف أو التوتر، وبالتالي يمنحه فرصة للتريث وإعادة تقييم الموقف.
وتبرز أهمية هذه المهارة بصورة خاصة لدى المديرين والقادة؛ لأن قراراتهم لا تؤثر في أنفسهم فقط، بل قد تؤثر في مجموعة من الموظفين والمؤسسة بأكملها.

الذكاء النفسي الذاتي وإدارة الضغوط المهنية تعد الضغوط المهنية من أكثر التحديات التي تواجه العاملين في المؤسسات المعاصرة.وتنشأ الضغوط من مصادر متعددة، منها:– كثرة المهام. ضغط الوقت.عدم وضوح الدور. الصراعات المهنية.
–
المسؤولية العالية.– الخوف من الخطأ. التغير المستمر.– ضعف التوازن بين العمل والحياة. وهنا يظهر دور الذكاء النفسي الذاتي في مساعدة الفرد على اكتشاف علامات التوتر مبكرًا والتعامل معها بطريقة أكثر تنظيمًا.

وقد وجدت التحليلات التجميعية أن العلاقة بين الذكاء النفسي والضغط الوظيفي كانت سلبية في الدراسات التي شملتها، أي أن ارتفاع الذكاء الانفعالي ارتبط بمستويات أقل من الضغط الوظيفي في تلك العينات.
الذكاء النفسي الذاتي والعلاقات المهنية لا يمكن تحقيق التميز الوظيفي في كثير من المهن من خلال العمل الفردي فقط؛ إذ يعتمد الأداء على التعاون والتواصل وبناء العلاقات.والوعي بالذات يساعد الفرد على فهم الطريقة التي يظهر بها للآخرين، بينما يساعد تنظيم الانفعال على منع المشاعر المؤقتة من إفساد العلاقات المهنية.
ومن أهم المهارات المرتبطة بذلك: الإصغاء. احترام الاختلاف.تقبل الرأي الآخر ضبط ردود الفعل.الاعتذار عند الخطأ.– تقديم التغذية الراجعة بطريقة مناسبة.
–
تجنب التفسير الشخصي لكل اختلاف. وتشير الأدلة البحثية إلى ارتباط الذكاء الانفعالي أيضًا بالسلوك التنظيمي الإيجابي والالتزام والرضا الوظيفي.
استراتيجيات عملية لتنمية الذكاء النفسي الذاتييمكن تنمية الذكاء النفسي الذاتي من خلال التدريب والممارسة المستمرة، ومن أهم الاستراتيجيات:
المراقبة الذاتية أن يخصص الفرد وقتًا قصيرًا لمراجعة يومه:ماذا حدث؟ كيف استجبت؟ ما الشعور الذي كان وراء استجابتي؟ هل كان بإمكاني التعامل بطريقة أفضل نموذج مقترح للعلاقة بين الذكاء النفسي الذاتي والتميز الوظيفي يمكن صياغة نموذج نفسي مبسط للعلاقة بين المتغيرين:

الوعي بالذات
↓
فهم المشاعر والدوافع
↓
تنظيم الانفعالات
↓
الدافعية الذاتية
↓
المرونة في مواجهة الضغوط
↓
تحسين اتخاذ القرار
↓
تحسين العلاقات المهنية
↓
رفع جودة الأداء
↓
التميز الوظيفي

ويفترض هذا النموذج أن الذكاء النفسي الذاتي لا يؤدي بالضرورة بصورة مباشرة وحده إلى التميز، بل قد يعمل من خلال مجموعة من العمليات النفسية والسلوكية التي تؤثر في الأداء المهني.

ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار الذكاء النفسي الذاتي أحد الموارد التي تساعد الفرد على تحويل الوعي الداخلي إلى سلوك مهني أكثر اتزانًا.

غير أن التعامل العلمي مع المفهوم يتطلب الحذر من المبالغة في تفسيره؛ فلا يمكن القول إن الذكاء الانفعالي يضمن التميز الوظيفي لكل فرد وفي كل الظروف. فالعلاقة بين المتغيرات النفسية والأداء المهني تتأثر بطبيعة الوظيفة، والبيئة التنظيمية، والثقافة، ونظام الإدارة، والخبرة، والقدرات المعرفية، وغيرها من العوامل.

أن الذكاء النفسي الذاتي يمثل مجالًا مهمًا في علم النفس المعاصر، وأن جذوره تمتد إلى الاهتمام القديم بالعلاقة بين العقل والانفعال، إلا أن بناءه العلمي الحديث ظهر بصورة أوضح منذ تسعينيات القرن العشرين مع الدراسات المرتبطة بالذكاء الانفعالي.

وقد تطور الاهتمام بالمفهوم من التركيز على التعرف إلى المشاعر وفهمها إلى دراسة كيفية استخدام هذه المعرفة في إدارة الذات والعلاقات واتخاذ القرار والتعامل مع الضغوط والتكيف مع المتغيرات المهنية.
ويعد الوعي بالذات وتنظيم الانفعالات والدافعية والمرونة النفسية والتقييم الواقعي للذات من أهم الاستراتيجيات التي يمكن أن تساعد الفرد في بناء شخصية مهنية أكثر اتزانًا.وعليه، فإن التميز الوظيفي لا ينبغي أن ينظر إليه بوصفه نتيجة للمعرفة والخبرة وحدهما، وإنما بوصفه نتاجًا لتفاعل مجموعة من القدرات المعرفية والانفعالية والسلوكية والتنظيمية.
ومن الناحية التطبيقية، يمكن للمؤسسات التعليمية والمهنية أن تستفيد من برامج تدريبية تستهدف الوعي بالذات، وإدارة الانفعالات، والتواصل، وحل المشكلات، والتكيف مع الضغوط. كما يمكن للباحثين في علم النفس التربوي والتنظيمي دراسة هذه المتغيرات ضمن عينات مهنية مختلفة، للكشف عن طبيعة العلاقة بين الذكاء النفسي الذاتي والتميز الوظيفي في البيئات الثقافية والمهنية المختلفة.
وفي النهاية، يمكن القول إن الإنسان المهني المتميز لا يتمثل فقط في الشخص الذي يمتلك المعرفة، بل في الشخص القادر على فهم ذاته، وتنظيم انفعالاته، وتوجيه طاقته، والتعلم من خبراته، والتعامل مع الآخرين بوعي واتزان، وتحويل قدراته النفسية إلى أداء مهني فعّال.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock