أقلام حره

د رباب البصراتى تكتب : جيل لم تمهله الحياة

أحيانًا أتوقف وأتأمل في الأجيال التي عاشت قبلنا وبعدنا، وأشعر أن لكل جيل حكايته الخاصة، وملامحه التي صنعتها ظروف عصره…. لكن هناك أجيال لا يمكن أن تمر عليها الحياة دون أن تترك أثرًا واضحًا؛ أجيال عاشت انتقالات كبيرة، ورأت العالم يتغير أمام عينيها، واضطرت في كل مرحلة أن تعيد اكتشاف نفسها والتكيف مع واقع جديد…..
ومن واقع انتمائي لهذا الجيل، أعتقد أن جيل الثمانينيات تحديدًا هو أكثر جيل عاصر تحولات الحياة وتذوق خيباتها على كافة المستويات…..
نحن جيل وُلد في زمن كانت فيه الحياة أبسط، والعلاقات أكثر دفئًا، والناس أكثر قربًا من بعضهم.
عشنا طفولة بلا إنترنت ولا هواتف محمولة، وكانت متعتنا في أشياء بسيطة، ثم كبرنا لنشهد بدايات التكنولوجيا، وظهور الإنترنت، والهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى وصلنا اليوم إلى عالم يتغير فيه كل شيء تقريبًا بوتيرة مذهلة.
لكننا لم نشهد فقط تغير التكنولوجيا، بل شهدنا تغير شكل الحياة نفسها؛ تغيرت العلاقات، وتبدلت مفاهيم النجاح، وتغيرت طبيعة العمل، وأسلوب التواصل، وحتى شكل الأحلام التي كنا نظن يومًا أنها ثابتة.
عشنا مراحل كثيرة ومتباينة؛ رأينا أشياء تبدأ ثم تنتهي، وأشخاصًا ظننا أنهم باقون ثم رحلوا، وأحلامًا سعينا إليها طويلًا ولم تأتِ كما تمنينا، وخيبات في العمل، وفي العلاقات، وفي الصداقة، وفي الحياة نفسها….
وفي المقابل، تعلمنا أن الحياة لا تسير دائمًا كما نريد، وأن بعض الأشياء لا نستطيع تغييرها مهما حاولنا، وأن النضج الحقيقي ليس في أن ننتصر في كل معركة، وإنما في أن نعرف أي المعارك تستحق أن نخوضها، ومتى ننسحب بسلام….
جيل الثمانينيات لم يكبر في العمر فقط، لكنه كبر نفسيًا من كثرة ما رأى وعاش وتجاوز…. ومازال
نحن جيل وقف طويلًا بين زمنين؛ زمن علّمنا معنى البساطة، وزمن أجبرنا على تعلم التكيف.
عشنا آخر ملامح العالم القديم، وشهدنا ميلاد العالم الجديد، ولذلك ربما نحمل بداخلنا شيئًا من الاثنين؛ حنينًا إلى زمن مضى، وقدرة على التعامل مع زمن لا يشبهه….
وربما لهذا تبدو ملامحنا اليوم أكثر هدوءًا وأقل اندفاعًا… ليس لأن الحياة أصبحت أسهل، ولكن لأننا أصبحنا نعرف جيدًا أن كل شيء قابل للتغير، وأن بعض الخسارات كانت في حقيقتها إنقاذًا، وأن بعض النهايات كانت بدايات لم نكن نراها وقتها.
نحن جيل الثمانينيات… جيل رأى كثيرًا، وخسر كثيرًا، وفرح كثيرًا، وتعلم كثيرًا…. ومازال…..
وفي النهاية، يمكن أكثر ما أشعر به تجاه جيلي ليس الفخر فقط بأننا عاصرنا كل هذه التحولات، وإنما الشفقة أيضًا… شفقة على أنفسنا، وعلى كل ما مررنا به ونحن نحاول أن نتكيف ونكمل الطريق….
شفقة على جيل اضطر أن يكبر وسط تغيرات متلاحقة، وأن يودّع أشياء كثيرة قبل أوانها، وأن يتعلم الصبر من الخيبات أكثر مما تعلمه من الأيام الجميلة…..
أشفق على نفسي، وعلى كل أبناء جيلي، لأننا لم نكن جيلًا عاديًا… كنا جيلًا شاهد كثيرًا، وفقد كثيرًا، وتحمّل أكثر مما ينبغي، ومع ذلك ظل يحاول أن يبتسم ويبدأ من جديد…..
وربما لهذا تحديدًا… نحن نستحق أن نكون أكثر رحمة بأنفسنا، وأن نعترف أخيرًا أننا تعبنا، وأن كل ما وصلنا إليه حتى الآن كان ثمنه غاليًا جدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock