أقلام حره

د وليد الكاشف يكتب ؛ هروب الأبطال.. رصاصة في جسد الرياضة المصرية

حالة من الإحباط والغضب تفرض نفسها كلما تكررت مشاهد مغادرة بعض الأبطال والرياضيين المصريين لمعسكراتهم أو بعثاتهم أثناء البطولات الخارجية أو عقب انتهائها، فالأمر لم يعد مجرد واقعة فردية عابرة، وإنما أصبح ظاهرة تثير العديد من التساؤلات حول أسبابها، وحول كيفية الحفاظ على الطاقات والخبرات التي استثمرت فيها الدولة لسنوات طويلة.

فالدولة تتحمل جزءًا كبيرًا من تكلفة إعداد هؤلاء الرياضيين، بداية من التدريب والمعسكرات، مرورًا بالمشاركات المحلية والدولية، وصولًا إلى التأهيل الفني والطبي والدعم المادي. ومن هنا يصبح فقدان أحد هؤلاء الأبطال بعد سنوات من الإعداد خسارة حقيقية للرياضة المصرية، وإهدارًا لاستثمار كان من المفترض أن يعود على الوطن بالإنجازات والميداليات ورفع العلم المصري في المحافل الدولية.

لكن القضية أكثر تعقيدًا من مجرد المطالبة بتوقيع عقوبات على الرياضيين.

فمن جانب، لا بد من وجود منظومة قانونية واضحة تحفظ حقوق الدولة وتمنع استغلال البعثات الرياضية الرسمية باعتبارها وسيلة للسفر ثم عدم العودة. ويمكن في هذا الإطار مراجعة اللوائح الرياضية والقوانين المنظمة لسفر اللاعبين، ووضع بنود تعاقدية ملزمة قانونيًا قبل السفر، تحدد مسؤوليات اللاعب وحقوقه وواجباته، وكذلك ما يترتب على الإخلال بهذه الالتزامات.

كما يمكن دراسة فرض غرامات أو تحميل اللاعب بعض المديونيات المتعلقة بتكاليف إعداده ومشاركاته في حالة ثبوت الإخلال المتعمد بالتزاماته، مع اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة وفقًا للقانون، بما يوفر عنصر الردع ويحافظ في الوقت نفسه على حقوق جميع الأطراف.

ولكن الاقتصار على العقوبات وحدها لن يحل المشكلة.

فالجزء الأكثر أهمية هو البحث عن الأسباب التي تدفع بعض الرياضيين إلى اتخاذ قرار الهجرة أو عدم العودة من الأساس. وهنا تظهر مسؤولية الاتحادات الرياضية، وخاصة في بعض الألعاب الفردية التي يعاني أبطالها في أحيان كثيرة من ضعف الإمكانات أو سوء الإدارة أو غياب التخطيط طويل المدى.

البطل الرياضي لا يحتاج فقط إلى معسكر أو تذكرة سفر للمشاركة في بطولة، وإنما يحتاج إلى بيئة متكاملة توفر له الاستقرار النفسي والمالي والمهني. يحتاج إلى مكافآت تُصرف في مواعيدها، ورعاية تليق بحجم الجهد الذي يبذله، وتأمين لمستقبله بعد انتهاء مسيرته الرياضية، وفرص حقيقية تضمن له حياة كريمة.

وعندما يشعر الرياضي بأن سنوات تفوقه وإنجازاته لن توفر له مستقبلًا آمنًا، تصبح فكرة السفر أو الهجرة بالنسبة للبعض محاولة للبحث عن فرصة أخرى وليست مجرد قرار مفاجئ.

ومن هنا تبرز ضرورة قيام الجهات الرقابية بمتابعة أوجه صرف ميزانيات الاتحادات الرياضية بصورة أكثر دقة، والتأكد من وصول الجزء المخصص لدعم اللاعبين إليهم بشكل مباشر، مع تقييم أداء مجالس إدارات الاتحادات ومدى قدرتها على صناعة الأبطال والحفاظ عليهم، وليس فقط الاكتفاء بحساب عدد المشاركات والبطولات.

إن علاج ظاهرة هروب الأبطال يحتاج إلى مسارين يسيران بالتوازي: الحزم والمساءلة من جهة، والدعم والإصلاح من جهة أخرى.

فلا يجوز أن يخِل لاعب بالتزاماته تجاه بلده دون مساءلة، وفي الوقت نفسه لا يجوز أن نطالب الرياضي بالانتماء والتضحية بينما لا نوفر له الحد الأدنى من الاستقرار والتقدير الذي يستحقه.

الحفاظ على أبطال مصر لا يبدأ من بوابة المطار عند سفرهم، وإنما يبدأ منذ اللحظة الأولى لاكتشاف موهبتهم، عبر منظومة رياضية عادلة ومحترفة تعرف قيمة البطل، وتحمي حقوق الدولة، وتمنح الرياضي الشعور بأن مستقبله داخل وطنه أفضل من البحث عنه خارجه.

فالأبطال ثروة وطنية، وخسارتهم ليست خسارة لاتحاد أو لعبة فقط، وإنما رصاصة جديدة في جسد الرياضة المصرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock