تشكيل المجلس الأعلى للحوار المجتمعي بين أمل الشعب في نزاهة التطبيق وإيجابية القادم
بقلم / سماح محروس
لم يأتِ إعلان مجلس الوزراء بشأن تشكيل المجلس الأعلى للحوار المجتمعي من فراغ، بل يمكن النظر إليه باعتباره استجابة لأهمية صوت المواطن المصري، وللدور المتزايد للرأي العام في مناقشة مختلف القضايا السياسية والاجتماعية والوطنية، سواء بالتأييد أو النقد.
فالمجتمع القوي هو الذي يستمع إلى أبنائه، ويتيح لهم التعبير عن آرائهم ومخاوفهم وتطلعاتهم، ويجعل من المشاركة المجتمعية ركيزة أساسية في صناعة القرار، بما يسهم في بناء مستقبل أكثر استقرارًا وتوافقًا.
ومن هنا تبرز تساؤلات مشروعة لدى الرأي العام: هل سيعزز تشكيل المجلس الأعلى للحوار المجتمعي بالفعل من دور المواطن في مناقشة القضايا والقرارات التي تمس حياته وحقوقه؟ وهل ستكون هناك آليات حقيقية تضمن أن تصل آراء المواطنين إلى دوائر صنع القرار وأن تؤخذ على محمل الجد؟ أم سيظل الحوار في إطار شكلي لا يحقق التأثير المنتظر منه؟
هذه التساؤلات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها رفضًا لفكرة المجلس، بل على العكس، فهي تعكس تطلع المواطنين إلى أن يكون المجلس مؤسسة حقيقية وفاعلة، تقوم على الشفافية والمصداقية، وتوفر مساحة آمنة وجادة للاستماع إلى مختلف الآراء والاتجاهات في إطار القانون والدستور والمصلحة الوطنية.
كما يطرح تشكيل المجلس سؤالًا آخر لا يقل أهمية: ما المعايير التي سيتم على أساسها اختيار أعضائه؟
فنجاح أي حوار مجتمعي يتوقف إلى حد كبير على اختيار شخصيات تتمتع بالكفاءة والنزاهة والخبرة والقدرة على التعبير عن المواطنين، وأن يكون لها رصيد من العمل العام والمواقف الوطنية، وأن تمثل قطاعات المجتمع المختلفة بصورة حقيقية ومتوازنة.
ومن حق المواطن أيضًا أن يعرف بوضوح ضوابط اختيار أعضاء المجلس، وألا تكون عملية الاختيار بعيدة عن الرقابة المجتمعية أو معايير الكفاءة والاستحقاق.
ولعل من أفضل الضمانات التي يمكن مناقشتها إيجاد آلية تسمح بمشاركة المواطنين بصورة أكبر في اختيار من يمثلهم داخل منظومة الحوار المجتمعي، سواء من خلال الانتخابات أو الترشيحات العامة أو آليات معلنة وشفافة تضمن تمثيل مختلف فئات المجتمع.
فالشعب المصري هو صاحب المصلحة الأولى في مستقبل وطنه، ومن حقه أن يرى في مؤسسات الحوار شخصيات قادرة على حماية المصلحة العامة، والحفاظ على مقدرات الدولة وأصولها الاستراتيجية، ودعم الأمن القومي المصري، مع البحث عن حلول اقتصادية حقيقية تقوم على الإنتاج والزراعة والصناعة والاستثمار والتوسع العمراني وخلق فرص العمل.
كما أن حماية أصول الدولة ومقدراتها الاستراتيجية قضية تستوجب أعلى درجات الشفافية والدراسة والحوار، خاصة في القرارات التي قد يكون لها تأثير طويل المدى على الأجيال القادمة.
ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تفرض ضرورة محاسبة أي مسؤول يثبت –وفقًا للقانون والمؤسسات المختصة– إخلاله بواجباته أو إضراره بالمصلحة العامة أو الأمن القومي، مع الالتزام الكامل بالإجراءات الدستورية والقانونية، لأن دولة المؤسسات لا تُبنى إلا بسيادة القانون والمساءلة والشفافية.
وفي النهاية، يبقى الأمل أن يمثل المجلس الأعلى للحوار المجتمعي خطوة حقيقية نحو مرحلة أكثر انفتاحًا على صوت المواطن، وأن تتحول فكرة الحوار من مجرد مناقشات إلى آليات مؤثرة ونتائج ملموسة يشعر بها المواطن على أرض الواقع.
فالحوار المجتمعي البناء يبدأ بالإنصات، ويستمر بالمشاركة، ويكتمل عندما تتحول مطالب المواطنين المشروعة إلى سياسات وقرارات تخدم الصالح العام.
والتطبيق هو الفيصل، والأيام وحدها ستكشف مدى قدرة المجلس على تحقيق الآمال المعلقة عليه.
حفظ الله مصر بشعبها العظيم، وأبنائها المخلصين، ومسؤوليها الوطنيين المخلصين.



