
مصر… امتدادٌ إنسانيٌ لغزة
بقلم/ رامي الغف*
هناك أوجاعٌ لا تحتاج إلى شرح، لأن المسافة بين القلب والقلب أقصر من أن تفصلها الحدود.
وفي غزة، حين ضاقت الحياة بأهلها، وحاصرتهم قسوة الحرب، لم تكن مصر تنظر إلى المشهد من بعيد؛ كانت ترى في كل طفلٍ جائع، وكل أمٍ أنهكها الانتظار، وكل مريضٍ يبحث عن دواء، إنساناً يستحق أن تمتد إليه يدٌ بالرحمة.
مصر… امتدادٌ إنسانيٌ لغزة.
تخيّل أمًا غزية تفتح كيس المساعدات الذي وصل إلى أسرتها بعد أيامٍ من القلق. لا تبحث أولًا عن شيءٍ لنفسها؛ تمتد يدها إلى ما يمكن أن تطعمه لأطفالها، ثم تتوقف لحظة، وكأنها تستعيد أنفاسها.
قد يكون في الكيس قليلٌ من الطعام، وربما بعض المستلزمات الأساسية، لكنه بالنسبة إليها أكبر من ذلك بكثير.
إنه إحساسٌ بأن أحدًا لم ينسها.
وفي تلك اللحظة الصغيرة، بين يد أمٍ واحتياجات أطفالها، تختصر الإغاثة معناها كله: أن تصل الرحمة إلى بيتٍ أنهكته الحرب، وأن يتحول التضامن من مشاعر بعيدة إلى شيءٍ يمكن لمسه، وتقاسمه، والاعتماد عليه.
وفي الطرف الآخر من الحكاية، هناك مصريون لم يروا هذه الأم من قبل، ولم يعرفوا أسماء أطفالها، لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا: أن إنسانًا في غزة يحتاج إلى المساعدة.
وهنا تكمن قيمة العمل الإنساني، أن تعطي لمن لا تعرفه، لأنك تعرف أنه إنسان.
ليست الإغاثة المصرية مجرد قوافل تعبر الطريق، أو صناديق تصل إلى المحتاجين؛ إنها رسالة تقول لأهل غزة: أنتم لستم وحدكم.
في كل شاحنةٍ تحمل الغذاء، هناك قلبٌ مصري يحمل همّ أخٍ في غزة. وفي كل جرعة دواء تصل إلى مريض، مساحةٌ من الألم تنحسر. وفي كل رغيفٍ يصل إلى أسرة، حكايةُ تضامنٍ تُكتب بعيدًا عن الكلمات.
وهكذا يصبح العطاء أكثر من مساعدة، يصبح حضورًا إنسانيًا في أشد اللحظات قسوة.
ومن هنا يأتي الدور المصري في قطاع غزة؛ ليكون جسراً يصل بين مشاعر التضامن واحتياجات الإنسان، وبين الرغبة في المساعدة والأثر الحقيقي على الأرض. فكل جهدٍ إغاثي هو محاولة لاستعادة شيءٍ من الحياة إلى يومٍ أثقلته الحرب، وإعادة شيءٍ من الطمأنينة إلى قلبٍ أنهكه الخوف.
وفي غزة، قد لا تستطيع الإغاثة أن تمحو آثار الألم، لكنها تستطيع أن تقول للإنسان الذي فقد الكثير:
ما زال هناك من يقف إلى جانبك.
وهذه هي خصوصية الامتداد المصري؛ أن يتحول القرب إلى فعل، والأخوة إلى عطاء، والتضامن إلى يدٍ تصل في الوقت الذي يحتاجها فيه الإنسان.
إن مصر حين تمد يدها إلى غزة، فإنها لا تمد يدًا تحمل المساعدة فحسب، بل تمد جسرًا من الرحمة والأخوة والأمل.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه صور الركام، قد تبدو لحظةٌ بسيطة — أمٌ تفتح كيسًا من الطعام، طفلٌ يتلقى دواءه، أسرةٌ تجد ما يكفيها ليومٍ آخر — صغيرةً أمام حجم المأساة.
لكن الحياة تُستعاد أحيانًا من هذه التفاصيل الصغيرة.
من مصر إلى غزة…
تمتد يدُ الإغاثة،
ويصل الأمل،
ويبقى الإنسان أولًا.
مصر… امتدادٌ إنسانيٌ لغزة.
*اعلامي وباحث سياسي ودولي



