أقلام حره

هل يجد الزوج في الشارع ما لا يجده في بيت الزوجية… أم أنه يبحث عما يريد أن يجده؟

د. هاله عبد العزيز
محامية واستشاري علاقات اسرية
مؤسسة منهج المحامي النفسي

من أكثر العبارات تداولًا كلما ذُكرت الخيانة الزوجية:

“الزوج وجد في الشارع ما لم يجده في بيته.”

تتكرر العبارة حتى أصبحت عند البعض تفسيرًا جاهزًا، بل وحكمًا نهائيًا يسبق البحث عن الحقيقة.

لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو:

هل وجد فعلًا ما لم يجده في بيته… أم أنه وجد ما أراد أن يجده؟

هناك فرق كبير بين الأمرين.

فالإنسان قد يفتقد داخل بيته الاهتمام، أو الاحتواء، أو التقدير، وهذا واقع لا يمكن إنكاره. فالحياة الزوجية ليست لوحة مثالية، بل علاقة يرهقها العمل، وتستهلكها المسؤوليات، وتختبرها الضغوط اليومية.

لكن ما يثير التساؤل حقًا، أن كثيرين يعيشون الظروف نفسها، وربما أشد قسوة، ومع ذلك لا يخونون.

لماذا؟

لأن المشكلة لم تكن يومًا في وجود الأزمة، بل في طريقة التعامل معها.

الخيانة لا تولد من الفراغ، لكنها أيضًا لا تولد من المشكلات وحدها.

إنها تولد في اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يبحث عن مخرج يريحه، بدلًا من أن يبحث عن حل ينقذ علاقته.

ومن هنا تبدأ أخطر عملية خداع… خداع النفس

فيقنع الإنسان نفسه بأنه لم يخن، بل كان يبحث عن الاهتمام.

وأنه لم يهدم بيته، بل كان يعوض حرمانه.

وأنه ليس مخطئًا، بل ضحية لشريك لم يفهمه.

وهكذا تتحول الرغبة إلى حق، والخطأ إلى مظلومية، والخيانة إلى قصة تستحق التعاطف.

وهنا تكمن المشكلة.

فالإنسان لا يبرر قراراته بعد اتخاذها فحسب، بل يعيد صياغة الواقع كله حتى يبدو بريئًا أمام نفسه.

ولو تأملنا العلاقات التي تبدأ خارج إطار الزواج، لوجدنا أنها تبدو غالبًا أكثر دفئًا، وأكثر احتواءً، وأكثر رومانسية.

لكن هل لأنها أفضل؟

أم لأنها لم تدخل امتحان الحياة بعد؟

في العلاقة السرية لا توجد فواتير تُدفع، ولا أبناء يمرضون، ولا مسؤوليات تُقسَّم، ولا خلافات على تفاصيل المعيشة، ولا ضغوط تستنزف الأعصاب.

هناك فقط نسخة منتقاة بعناية من كل طرف، يظهر فيها أجمل ما لديه، ويخفي أسوأ ما فيه.

ولهذا تبدو المقارنة ظالمة منذ البداية.

فالبيت يُقارن بواقعٍ كامل، بينما يُقارن الشارع بصورة ناقصة لم تكتمل فصولها.

ومن خلال عملي في قضايا الأسرة

لم أجد أن الخيانة تبدأ عندما يدخل شخص ثالث إلى حياة أحد الزوجين.

بل تبدأ قبل ذلك بكثير.

تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن مواجهة مشكلاته، ويبدأ في البحث عمن يمنحه شعورًا مؤقتًا بأنه ما زال مرغوبًا.

وتبدأ عندما يهرب من الحوار، ويستبدله بالإعجاب العابر.

وعندما يفضل لذة اللحظة على مسؤولية العمر.

ولهذا أقول دائمًا:

الخيانة ليست بحثًا عن الحب… بقدر ما هي هروب من مواجهة الذات.

ولا يعني ذلك أن الطرف الآخر معصوم من الخطأ.

فقد يكون هناك إهمال، أو جفاء، أو تقصير، أو تجاهل للاحتياجات النفسية والعاطفية.

وهذه أخطاء قد تضعف العلاقة، وقد تدفعها إلى حافة الانهيار.

لكنها لا تنقل مسؤولية قرار الخيانة من صاحب القرار إلى شريك حياته.

فإهمال العلاقة مسؤولية قد يشترك فيها الطرفان.

أما الخيانة، فهي مسؤولية فردية كاملة.

لأن الإنسان يمتلك دائمًا خيارات أخرى.

يمكنه أن يتحدث.

يمكنه أن يطلب المساعدة.

يمكنه أن يلجأ إلى العلاج الأسري.

يمكنه أن ينفصل إذا استحال استمرار الحياة.

أما أن يهدم الثقة، ثم يطلب من الآخرين تفهم دوافعه، فذلك ليس تفسيرًا، وإنما محاولة لإضفاء الشرعية على قرار كان يمكن ألا يتخذه.

خطورة عبارة «وجد في الشارع ما لم يجده في بيته»

إن أخطر ما في عبارة “وجد في الشارع ما لم يجده في بيته” أنها تختزل قضية معقدة في جملة واحدة، ثم تجعل من الظروف متهمًا، ومن صاحب القرار ضحية.

بينما الحقيقة أكثر بساطة وأكثر قسوة.

فالشارع لا يصنع الخيانة.

إنه فقط يفتح بابًا.

أما من يعبر هذا الباب، فهو من اتخذ القرار.

ولهذا، يبقى السؤال الحقيقي ليس:

ماذا وجد في الشارع؟

بل:

لماذا توقف عن محاولة إصلاح بيته، وبدأ يبحث عن مبررات لمغادرته؟

فالبيوت لا يحميها غياب المشكلات، وإنما يحميها الصدق عند الخلاف، والاحترام عند الغضب، والوفاء عندما يصبح الطريق الآخر أسهل.

وهنا تُقاس الأخلاق… لا عندما تتوافر الخيارات، بل عندما يصبح الخطأ ممكنًا، ويختار الإنسان رغم ذلك أن يبقى وفيًا.

شاركنا استفسارك أو تجربتك في التعليقات، وتابع الصفحة لتبقى على اطلاع بآخر التطورات القانونية التي تهمك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock