
تزوير عقود خطوط المحمول وسرية البيانات.. من يحمي المواطن من استغلال بياناته؟
بقلم: سماح محروس
هل يُعقل أن يستيقظ مواطن ذات يوم ليكتشف وجود خطوط هاتف محمول مسجلة باسمه وبياناته الشخصية، رغم أنه لم يتعاقد عليها ولم يوقع على أي مستندات تخصها؟
سؤال يفتح الباب أمام قضية شديدة الخطورة تتعلق بحماية البيانات الشخصية، وآليات التعاقد داخل شركات الاتصالات، ومدى قدرة المواطن على إثبات عدم مسؤوليته عن خطوط أو تعاقدات لا يعلم عنها شيئًا.
المواطن بين سرية البيانات وخطر إساءة استخدامها
عندما يتوجه المواطن إلى إحدى شركات الاتصالات لشراء خط هاتف، فإنه يضع بين يدي الشركة مجموعة من بياناته الشخصية والرسمية، وفي مقدمتها بيانات بطاقة الرقم القومي.
ومن هنا تنشأ مسؤولية كبيرة في حماية هذه البيانات وضمان عدم استخدامها إلا في الأغراض التي قدمت من أجلها.
لكن ماذا لو فوجئ العميل لاحقًا بوجود خطوط أخرى مرتبطة ببياناته دون علمه؟ وماذا لو أنكر توقيعه على العقود الخاصة بهذه الخطوط؟
هنا لا تصبح المسألة مجرد خطأ إداري بسيط، بل قضية تستوجب التحقيق والتحقق من المستندات والتوقيعات والإجراءات التي تم بموجبها تسجيل تلك الخطوط.
أين العقود والمستندات؟
من أبسط حقوق المواطن المتضرر أن يعرف السند الذي تم بموجبه تسجيل خط باسمه، وأن يتمكن، وفقًا للإجراءات القانونية المنظمة، من الاطلاع على المستندات المتعلقة بالتعاقد حتى يستطيع إثبات ما إذا كان التوقيع الوارد عليها يعود إليه أم لا.
ولا ينبغي أن يجد المواطن نفسه في رحلة طويلة بين الفروع وخدمة العملاء والجهات المختصة لمجرد إثبات أنه لم يتعاقد على خط لم يطلبه من الأساس.
وإذا ثبت وجود تلاعب أو تزوير أو استخدام غير مشروع لبيانات أحد العملاء من جانب أي موظف، فإن الأمر يستوجب محاسبة المسؤول عنه وعدم الاكتفاء بإلغاء الخط أو تصحيح البيانات.
خطر قد يتجاوز مجرد تسجيل خط
خطورة تسجيل خطوط باستخدام بيانات أشخاص دون علمهم لا تتوقف عند الاعتداء على خصوصيتهم، وإنما قد تمتد إلى استخدام تلك الخطوط في تصرفات أو وقائع مخالفة للقانون، بينما يظهر المواطن المسجلة بياناته باعتباره صاحب الخط.
ومن هنا يصبح التحرك السريع ضرورة لحماية المواطن وإثبات عدم علاقته بالخط فور ثبوت عدم صحة التعاقد.
كما يجب ألا يتحمل المتضرر وحده عبء معالجة خطأ لم يرتكبه.
الحاجة إلى آلية واضحة وملزمة
المطلوب هو وجود آلية واضحة وفعالة تلزم شركات الاتصالات بالتعامل الجاد مع شكاوى الخطوط التي ينكر أصحاب البيانات التعاقد عليها، مع حفظ المستندات المتعلقة بهذه التعاقدات وإتاحتها للجهات المختصة وفقًا للقانون.
كما ينبغي أن تتيح الإجراءات للمواطن المتضرر إمكانية الاعتراض رسميًا، والتحقق من صحة التوقيع والعقد، والحصول – عند ثبوت عدم مسؤوليته – على ما يفيد إنهاء ارتباطه بتلك الخطوط وتصحيح البيانات والسجلات ذات الصلة.
كذلك تبرز أهمية تشديد الرقابة على إجراءات تسجيل وبيع خطوط المحمول، ومراجعة الضوابط الداخلية التي تمنع إساءة استخدام بيانات العملاء تحت أي مبرر، بما في ذلك السعي لتحقيق مستهدفات المبيعات أو زيادة أعداد التعاقدات.
مسؤولية الجهات الرقابية
وهنا يبرز دور الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات والجهات الرقابية والقانونية المختصة في ضمان وجود إجراءات فعالة لحماية المواطنين، والتحقيق في الشكاوى الجدية المتعلقة باستخدام البيانات أو تسجيل خطوط دون علم أصحابها.
فحماية بيانات المواطن ليست رفاهية، ولا يجوز أن يصبح صاحب البيانات هو الطرف الأضعف عندما يقع خلل في منظومة التعاقد.
المطلوب منظومة تمنع المخالفة قبل وقوعها، وتكشف المسؤول عنها إذا وقعت، وتضمن إزالة آثارها عن المواطن المتضرر بصورة رسمية وواضحة.
القانون فوق الجميع
إذا ثبت تزوير عقد أو توقيع أو استخدام بيانات شخصية دون وجه حق، فلا بد أن تسير الإجراءات القانونية في طريقها، وأن يتحمل المسؤول عن المخالفة نتائج أفعاله، أيًا كان موقعه.
فالقاعدة المنطقية واضحة: من تسبب في الضرر عليه أن يسهم في إصلاحه، ولا يجوز تحميل المواطن فاتورة خطأ لم يرتكبه.
حماية بيانات المواطنين، وشفافية إجراءات شركات الاتصالات، وسهولة إثبات عدم المسؤولية عن الخطوط محل النزاع، ليست مطالب استثنائية، وإنما ضمانات ضرورية لحماية المجتمع من نتائج قد تكون بالغة الخطورة.
وفي النهاية، تبقى العدالة والقانون فوق الجميع.



