
هاله العزب تكتب :عندما يصبح الماضي سلاحًا في يد الآخرين
بقلم :سيدة الاتيكيت الأولى /هاله العزب
من أسوأ المواقف التي قد يتعرض لها الإنسان أن يخطئ في مرحلة من عمره ثم يراجع نفسه ويتغير ويصلح ما أفسده، وبعد سنوات يفاجأ بمن ينبش هذا الماضي ويستخدمه ضده.
هناك فرق كبير بين إنسان يعرف عنك خطأً قديمًا فيحفظه ولا يؤذيك به، وبين شخص يعتبر هذا الخطأ وسيلة للسيطرة عليك أو التقليل منك. يبدأ الأمر بكلمة تبدو عابرة، ثم تلميح، ثم مزحة ثقيلة، ثم تجد نفسك كلما تحدثت أو نجحت أو أبدعت، أعادك هو إلى نقطة انتهت منذ سنوات.
وهنا يجب أن نتوقف عند مفهوم مهم جدًا.
الإتيكيت الحقيقي ليس أن تتحمل الإهانة حتى يقال عنك إنك مؤدب. والإتيكيت لا يعني أن تسمح لأحد بأن يمارس عليك الابتزاز النفسي باسم الصراحة أو المزاح. الرقي الحقيقي هو أن تعرف متى تصمت، ومتى تتكلم، ومتى تضع حدًا يحفظ كرامتك.
ومن أكثر المفاهيم الخاطئة أن بعض الناس يعتقدون أن توبة الإنسان أو اعترافه بخطأ قديم تمنح الآخرين حق محاسبته عليه إلى آخر العمر. وهذا غير صحيح أخلاقيًا ولا إنسانيًا. فالإنسان يُقاس بما هو عليه الآن، لا بما كان عليه وهو طفل أو مراهق أو في مرحلة لم يكتمل فيها وعيه.
ومن يستغل ماضي شخص بعد أن تغير، فهو لا يكشف عيب هذا الشخص، بل يكشف هو عن عيب في أخلاقه. لأن الأمين يحفظ الأسرار، والراقي يحترم التغيير، أما قليل الذوق فيستخدم كل معلومة يعرفها ليكسب بها موقفًا أو يشعر غيره بالنقص.
إذا تعرضت لهذا الموقف فلا تدخل في دائرة التبرير. لا تقف تشرح وتثبت أنك تغيرت، لأن الشخص الذي يحترمك لا يحتاج إلى شرح، والذي لا يحترمك لن يقتنع مهما شرحت.
يكفي أن تقول بهدوء وثقة: هذا الأمر انتهى منذ سنوات، ولا أقبل أن يكون وسيلة للتلميح أو التقليل مني.
ثم راقب رد الفعل.
إذا اعتذر وانتهى الأمر، فقد أغلقت الصفحة بأدب. أما إذا كرر الأسلوب نفسه، فاعلم أن المشكلة لم تعد في الماضي، بل في الحاضر. وفي هذه الحالة يصبح تقليل التعامل معه هو القرار الأكثر رقيًا. ليس هروبًا، وإنما حفاظًا على كرامتك وسلامك النفسي.
وأود أن ألفت النظر إلى نقطة يغفل عنها كثيرون، وهي أن الشخص الذي يذكرك دائمًا بأخطائك القديمة لا يريد أن يراك بصورة جديدة. لأنه لو اعترف أنك تغيرت، فسيفقد الورقة التي يحاول الضغط عليك بها. لذلك يتمسك بالماضي أكثر مما تتمسك أنت به.
وفي الإتيكيت نقول دائمًا: لا تسمح لأحد أن يعرفك بخطأ تبت منه، ولا أن يحرمك من احترام نفسك بسبب صفحة أغلقتها منذ سنوات.
فكل إنسان له ماضٍ، ولكن ليس كل إنسان يملك الشجاعة ليصلح هذا الماضي. ومن أصلح نفسه يستحق الاحترام، لا المحاكمة.




شكرا لاستاذ اشرف ابو اليزيد
شكرا لكل من قرأ كلماتي
خالص تحياتي
د/هاله العزب