أقلام حره

مدحت الحلفاوي يكتب: قراءة نقدية في قصة تراتيل الوداع للأديبة صباح نصار

ليست كل القصص تقرأ بالعين. بعضها يقرأ بندبة قديمة لم تلتئم وبدمعة تختبئ خلف جدار الصمت وبذكرى نظن أننا دفناها مع الزمن فإذا بها تستيقظ عند أول نداء للحزن. هذا ما تفعله الأديبة صباح نصار في قصتها تراتيل الوداع. فهي لا تكتب عن مجلس عزاء بقدر ما تكتب عن ذلك الركن المظلم في الروح الذي نخبئ فيه أحزاننا ونغلق عليه الأبواب ظنا منا أنه مات. لكن كلمة واحدة أو وجه عابر أو مشهد وداع كفيل بأن يعيد كل شيء إلى الحياة من جديد. إنها قصة لا تستعرض الموت بقدر ما تكشف كيف يواصل الغياب حياته داخلنا وكيف تتحول الذكريات إلى كائنات صامتة تسكن العيون وتتكلم كلما اجتمع الوجع بأهله. وفي هذا النص لا تكتفي الكاتبة بسرد حدث عابر بل تجعل من لحظة العزاء مدخلا لاستكشاف الذاكرة الإنسانية وما تختزنه من وجع وحنين وفقد لا يسقط بالتقادم. تقدم الأديبة صباح نصار في قصتها تراتيل الوداع نصا إنسانيا عميقا يتجاوز حدود المشهد التقليدي للعزاء ليغوص في طبقات النفس البشرية حين تواجه الفقد والحنين والذكريات المؤلمة. منذ السطور الأولى تنجح الكاتبة في بناء حالة شعورية كثيفة حين تقول: إنها تسير مرتدية قطعة من الظلام وهي صورة رمزية موفقة تعكس الثقل النفسي الذي تحمله البطلة قبل وصولها إلى مكان الحدث. فالظلام هنا ليس وصفا خارجيا بل حالة داخلية تسيطر على الوجدان وتلون نظرة الشخصية إلى العالم من حولها. اعتمدت الكاتبة على السرد الذاتي بضمير المتكلم وهو اختيار فني منح النص قدرا كبيرا من الصدق والحميمية وجعل القارئ شريكا في التجربة لا مجرد متلق لها. فكل خطوة تخطوها البطلة وكل ذكرى تستيقظ داخلها تنتقل إلى القارئ بوضوح وتأثير. ومن أبرز نقاط القوة في النص نجاح الكاتبة في تحويل مجلس العزاء من مناسبة اجتماعية إلى فضاء رمزي تتلاقى فيه أحزان الجميع. فكل امرأة تحمل داخلها فقيدها الخاص وكل عين تخبئ قصة مختلفة من الفقد والاشتياق. وهنا يتسع الحدث الفردي ليصبح تجربة إنسانية عامة يتقاطع عندها الألم الإنساني مهما اختلفت أسبابه. كما برعت الكاتبة في توظيف الصور الأدبية التي منحت النص بعدا جماليا واضحا. مثل قولها: إن الكلمات تنفلت من الفم كطفل ضاع من يد أمه أو وصفها للضحكات التي انتحرت فوق الشفاه. وهي صور تحمل طاقة تعبيرية عالية وتكشف قدرة الكاتبة على تجسيد المشاعر في مشاهد حية وملموسة. ويأتي المشهد الأكثر تأثيرا حين تستدعي البطلة ذكرى وفاة أمها. هنا يبلغ النص ذروته الشعورية حيث يتحول الحزن من مراقبة خارجية للمشهد إلى تجربة ذاتية مباشرة تنفجر فيها الدموع وتتساقط الأقنعة التي فرضتها قوة التماسك الظاهر. وفي هذا الموضع تتجلى براعة الكاتبة في الانتقال السلس من الحاضر إلى الذاكرة دون افتعال أو انقطاع. أما الرسالة الفكرية للنص فتتجسد في إدراك البطلة أن مجالس العزاء لا تؤدي وظيفة المواساة فقط بل تمنح الحاضرين فرصة للتنفيس عن آلامهم الخاصة واستعادة ما تراكم في أعماقهم من مشاعر لم تجد طريقها إلى البوح. وهنا يتحول العزاء من طقس اجتماعي إلى ضرورة نفسية وإنسانية. ختاما يمكن القول إن تراتيل الوداع قصة تنتمي إلى الأدب الوجداني الراقي الذي يلامس التجربة الإنسانية في أنقى صورها. وقد نجحت الأديبة صباح نصار في تقديم نص مؤثر يجمع بين جمال اللغة وصدق الإحساس وعمق الرؤية النفسية ليترك أثرا ممتدا في نفس القارئ حتى بعد انتهاء القراءة. وفي النهاية لا تقف تراتيل الوداع عند حدود قصة تحكي مشهدا من مشاهد الفقد بل تتجاوز ذلك لتصبح مرآة إنسانية تعكس هشاشة القلب أمام الذكرى وعجز الزمن عن محو من أحببناهم يوما. لقد استطاعت القصة أن تلامس منطقة شديدة الخصوصية في النفس الإنسانية وأن تضع القارئ وجها لوجه أمام أحزانه المؤجلة وذكرياته التي يظن أنها غابت بينما هي لا تزال تنبض في الأعماق. تحية تقدير للأديبة صباح نصار التي أثبتت في هذا النص امتلاكها حسا إنسانيا مرهفا وقدرة لافتة على الغوص في أعماق المشاعر وصياغتها بلغة أدبية رقيقة ومؤثرة. فكانت تراتيل الوداع عملا يحمل صدق الإحساس وجمال التعبير وعمق الرؤية ويؤكد أن الكلمة حين تخرج من القلب تصل إلى القلوب دون استئذان. رحم الله من رحلوا عن أعيننا ولم يرحلوا عن قلوبنا وجعل ذكراهم نورا يضيء أرواحنا وألهم أهلهم ومحبيهم الصبر والسكينة والرضا. مدحت الحلفاوي قلم وطني لا يعرف إلا الحق ولا ينحني إلا لله ولمصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock