
مدحت الحلفاوي يكتب قراءة في مقال يتيم الحب للكاتبة عبير جلال
حين نقرأ مقال يتيم الحب للكاتبة عبير جلال ندرك منذ السطور الأولى أننا أمام حالة إنسانية عميقة تتجاوز المعنى التقليدي لليتم ف الكاتبة لا تتحدث عن فقد الأب أو الأم بقدر ما تتحدث عن نوع آخر من الفقد قد يكون أشد وطأة على النفس وهو فقد الحب والاحتواء والشعور بالأمان العاطفي. تأخذنا الكاتبة إلى عالم الإنسان الذي يمنح الآخرين كل ما يملك من مشاعر صادقة واهتمام ووفاء ثم يجد نفسه وحيدا في مواجهة احتياجاته النفسية فهو بالنسبة لمن حوله مصدر دعم وأمان لكنه لا يجد من يمنحه القدر نفسه من الاحتواء ومن هنا تنبع فكرة يتيم الحب التي جعلتها الكاتبة عنوانا لمقالها لتصف بها كل من يعيش بين الناس لكنه يفتقد دفء المشاعر الحقيقية. وتتجلى قوة المقال في تأكيده أن الحرمان العاطفي لا يرتبط بالفقر أو الوحدة الظاهرة فقد يكون الإنسان محاطا بأسرته وأصدقائه ومعارفه ومع ذلك يشعر بفراغ كبير داخله لأنه لا يجد من يفهمه أو يشعر بما يمر به وهنا تذكرنا الكاتبة بأن الإنسان لا يحتاج فقط إلى من يشاركه المكان بل إلى من يشاركه الشعور. كما تتوقف الكاتبة عند واحدة من أكثر الحالات الإنسانية إيلاما وهي الشعور بفقد الأحبة رغم وجودهم فقد يعيش الإنسان بينهم ويراهم كل يوم لكنه يشعر أن المسافات النفسية بينه وبينهم أصبحت أكبر من أي مسافات جغرافية وهذا ما يجعل الفراق المعنوي في كثير من الأحيان أكثر قسوة من الغياب الحقيقي. ومن خلال حديثها عن يتيم الحب ترسم عبير جلال صورة الإنسان الذي يتذكر الجميع بينما ينساه الجميع الإنسان الذي يمنح وقته ومشاعره واهتمامه لمن حوله لكنه لا يجد من يلتفت إلى حاجته أو يسأل عن حاله أو يربت على قلبه حين يتعب وهي صورة مؤثرة لأنها تعبر عن معاناة موجودة في واقع كثير من الناس وإن اختلفت تفاصيلها من شخص إلى آخر. ورغم ما يحمله المقال من وجع وحنين وخذلان فإن الكاتبة لا تترك القارئ أسيرا للحزن بل تفتح نافذة للأمل حين تؤكد أن في أعماق كل إنسان شعاعا لا ينطفئ وأن الله قادر على أن يعوض القلوب الصادقة بما يليق بوفائها وصبرها لذلك يتحول النص من مجرد شكوى إنسانية إلى رسالة رجاء وإيمان بالمستقبل. وتصل الكاتبة في النهاية إلى خلاصة بالغة الأهمية حين تؤكد أن الحب الحقيقي ليس كلمات جميلة تقال في لحظات عابرة ولا وعودا لا تجد طريقها إلى التنفيذ فالحب في جوهره وفاء ورحمة واحتواء ومشاركة صادقة في أوقات الحاجة ومن هنا تبرز القيمة الفكرية والإنسانية للمقال الذي لا يتحدث عن تجربة فردية بقدر ما يناقش حاجة إنسانية مشتركة يعيشها كثيرون. لقد نجحت عبير جلال في أن تلامس واحدة من أكثر القضايا الإنسانية حساسية فكتبت عن الاحتياج إلى الحب والاحتواء بلغة صادقة نابضة بالمشاعر ووصلت إلى القارئ دون تكلف أو مبالغة. فجاء يتيم الحب مقالا يحمل صدق الشعور وعمق الفكرة ويذكرنا بأن أعظم ما يحتاجه الإنسان في هذه الحياة ليس كثرة من حوله بل وجود قلب صادق يشعر به ويمنحه الأمان. وهكذا لم تكتب عبير جلال عن يتيم الحب باعتباره حالة فردية عابرة بل قدمت صورة إنسانية تمس كل من عرف معنى العطاء دون مقابل أو ذاق مرارة الاحتياج إلى قلب يحتويه فجاء نصها صادقا نابضا بالمشاعر ليؤكد أن أقسى أنواع الفقد ليس غياب الأشخاص بل غياب دفئهم وأن الإنسان مهما امتلك من أسباب الحياة يظل محتاجا إلى حب صادق يمنحه الطمأنينة ويعيد إلى روحه معنى الحياة. إنه نص يذكرنا بأن القلوب قد تهزم بالغياب العاطفي أكثر مما تهزم بالغياب الجسدي وأن الاحتواء الصادق هو أعظم ما يمكن أن يمنح لإنسان.


