أقلام حره

الكلاب الحرة: هل تصنع منصات التواصل الاجتماعي فتنة مجتمعية أم يُعيد تشكيل قيم الرحمة؟

حين يتحول الخوف إلى خطاب عنف على الفيسبوك

 

بقلم د.نهال الشافعي
باحثة فى الشئون السياسية والاستراتيجية 

في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي قادرة على تحويل أي قضية يومية إلى معركة مفتوحة للرأي العام، لم يعد ملف الكلاب الحرة أو كلاب الشارع مجرد قضية مرتبطة بالأمن المجتمعي أو الصحة العامة أو الرفق بالحيوان، بل أصبح مرآة تعكس الطريقة التي يدير بها المجتمع خلافاته، وحدود التوازن بين الخوف المشروع، والرحمة، والخطاب الأخلاقي الذي يحكم علاقتنا ببعضنا وبالعالم من حولنا.

ففي كل مرة تنتشر فيها واقعة عقر أو يظهر مقطع مصور لكلاب تتحرك داخل الأحياء السكنية، يشتعل الجدل سريعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، ويتحول النقاش خلال ساعات إلى حالة استقطاب حادة؛ فريق يرى أن الأولوية المطلقة يجب أن تكون لحماية الإنسان وردع أي خطر محتمل، وفريق آخر يدافع عن ضرورة الحفاظ على المعايير الإنسانية في التعامل مع الحيوانات ويرفض العنف أو الإيذاء أو القتل العشوائي. وبين هذا وذاك، تتراجع أحيانًا لغة العقل أمام منطق الانفعال، ويتحول الاختلاف الطبيعي إلى حالة من الشحن العاطفي والاتهامات المتبادلة.

لكن الحقيقة التي كثيرًا ما تضيع وسط الضجيج أن الخوف من الكلاب الحرة بالنسبة لقطاع واسع من المواطنين ليس خوفًا متخيَّلًا أو مفتعلًا. فهناك أسر تخشى على أطفالها، وآخرون يشعرون بقلق حقيقي من العقر أو المطاردة أو فقدان الإحساس بالأمان في محيطهم السكني. وهذه المخاوف لا يجوز التقليل منها أو السخرية منها، لأن الشعور بالأمن حق أساسي لا يمكن تجاهله أو التعامل معه بوصفه مجرد انفعال مبالغ فيه.

وفي المقابل، فإن الرحمة بالحيوان أو تقديم الطعام له أو الاعتراض على مشاهد الإيذاء والعنف لا ينبغي النظر إليه باعتباره موقفًا ضد الإنسان أو تجاهلًا لمخاوف المجتمع. فالرحمة ليست نقيضًا للأمن، كما أن التعاطف مع كائن حي لا يعني التقليل من قيمة الإنسان أو معاناته. بل إن الرفق بالحيوان ظل تاريخيًا جزءًا من البناء الأخلاقي والديني والثقافي للمجتمع، الذي لم يفصل يومًا بين الإنسانية والرحمة.

غير أن الأزمة الحقيقية لم تعد تكمن في اختلاف المواقف بقدر ما أصبحت في طبيعة الخطاب الذي يتشكل حولها داخل الفضاء الرقمي.

ففي بعض المساحات على مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد النقاش يقتصر على التعبير عن الخوف أو المطالبة بالتنظيم، بل ظهرت أحيانًا صفحات وخطابات تتجاوز ذلك إلى السخرية من الرحمة نفسها، أو التحريض اللفظي ضد من يطعمون الحيوانات أو يعتنون بها، أو نشر محتويات تتضمن وسائل مؤذية للتخلص من الكلاب، أو تداول مشاهد صادمة باعتبارها دليلًا على “الحسم” أو “الحل”. وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: متى يتحول الخوف المشروع من مشكلة قائمة إلى خطاب يبرر القسوة أو يعتادها؟

فالفرق كبير بين المطالبة بحلول تحمي الإنسان وتعيد الانضباط للمجال العام، وبين التحول إلى خطاب يقوم على التشفي أو الدعوة إلى الإيذاء أو تبرير العنف بوصفه الخيار الوحيد. لأن المجتمع الذي يعتاد لغة القسوة في المجال العام لا يخسر فقط جزءًا من حساسيته الأخلاقية تجاه الحيوان، بل يعتاد تدريجيًا فكرة أن العنف يمكن أن يكون أداة مقبولة لحل الخلافات أو التعامل مع ما يثير الخوف أو الغضب.

ولعل ما يدعو للتأمل أن بعض من يطعمون الحيوانات أو يعتنون بها أصبحوا أحيانًا عرضة لحملات سخرية أو هجوم أو اتهامات أخلاقية، وكأن الرحمة نفسها أصبحت موضع اشتباه، أو كأن التعاطف مع كائن ضعيف يتناقض بالضرورة مع الاهتمام بالبشر. وفي المقابل، يتعرض بعض من يعبرون عن خوفهم أو قلقهم من انتشار الكلاب الحرة إلى أحكام قاسية أو اتهامات بانعدام الإنسانية. وهكذا يتحول النقاش من البحث عن حلول إلى معركة أخلاقية، يُصنَّف فيها الناس بين “رحماء” و”قساة”، بدلًا من بناء مساحة مشتركة للفهم.

وربما هنا يظهر السؤال الأكثر إلحاحًا: هل بدأت لغة القسوة تحل محل لغة الرحمة داخل المجال العام الرقمي؟

فالقيم الدينية والأخلاقية التي نشأ عليها المجتمع المصري لم تجعل الرحمة قيمة انتقائية، ولم تبرر الإيذاء أو التعذيب غير المبرر، بل قدمت تصورًا يقوم على التوازن؛ حماية الإنسان من الخطر، مع رفض القسوة والتنكيل والاعتداء غير الضروري. وهي معادلة دقيقة تؤكد أن الأمن لا يجب أن يتحول إلى مبرر للعنف، كما أن الرحمة لا ينبغي أن تتحول إلى إنكار للمشكلة أو تجاهل لمخاوف الناس.

ومن هنا، فإن إدارة ملف الكلاب الحرة لا ينبغي أن تتحول إلى معركة بين “محبي الحيوانات” و”الخائفين منها”، أو بين “الأمن” و”الرحمة”، لأن هذا التقسيم في جوهره تقسيم زائف. فالمجتمعات المتوازنة لا تبني أمنها بالقسوة، ولا تبني رحمتها بالفوضى، بل تبحث عن حلول علمية ومؤسسية قادرة على تحقيق الحماية والإنسانية معًا، عبر التنظيم، والتعامل المنهجي، والسياسات المستدامة.

كما أن الدولة، وهي تدير هذا الملف المركب، تواجه تحديًا دقيقًا يتمثل في تحقيق الأمن المجتمعي والحفاظ على النهج الحضاري والأخلاقي في آن واحد، بعيدًا عن ضغوط الانفعال اللحظي أو الحلول الصادمة التي قد تبدو حاسمة لكنها لا تبني استقرارًا طويل المدى.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: كيف نتعامل مع الكلاب الحرة؟ بل ماذا يحدث لنا حين نعتاد خطاب العنف أو نمر عليه بصمت؟ لأن الخطر لا يبدأ حين يختلف الناس أو يشعرون بالخوف، بل حين تصبح الرحمة موضع سخرية، والقسوة محل تبرير، والتحريض جزءًا طبيعيًا من النقاش العام. فبين خوف مشروع ورحمة مشروعة، يبقى التحدي الأكبر هو ألّا نفقد البوصلة الأخلاقية التي تجعل المجتمع قادرًا على حماية الإنسان، دون أن يتخلى عن الرحمة التي تمنحه معناه الإنساني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock