
د/جيهان رفاعى تكتب أشكال ظلم المرأه
المرأة شجرة لا تذبل، تمنح ظلالها دون مقابل فهى رمز للعطاء المتفانى وبذل الذات، لا تتوقف عن توريق مشاعرها ومسؤولياتها وحرصها على بيتها وأولادها واذا أهتزت جذورها ماتت الأغصان، وهى كالنحلة فى خليتها تعمل ليلا ونهارا لتطرح الشهد وتمنحه لمن حولها شهيا ولذيذا، اثوابها مطرزة بالتعب والسهر، رائحتها يفوح منها الأصالة والطيبة، اطباقها مليئة بالحب والحنان، فهى كالشمعة تحترق لتضىء لمن حولها، هى المواساة واليد الحانية فى ليال قاسية، وهى الكلمة الدافئة التى ترمم الإنكسار والضعف، الوردة التى تذرف نداها دمعا إن أصاب أحدهم خطب أو عطب، سحابة تمطر ولا تتوقف حتى تزدهر قلوب من حولها ورودا وتروى تربة عقولهم أفكارا مستنيرة، المرأة ليست نصف المجتمع عددا، بل هى كله روحا، ولكن يدللونها صغيرة، و يكبلونها كبيرة، يسمون سجنها حماية ويسمون قيدها غيرة، يقولون علموا المرأة فإنها مدرسة ثم يغلقون باب المدرسة فى وجهها، يقتلون حلمها قبل أن يولد، و يكفنوه بعبارة ” البنت مالها الا بيتها” ، يريدونها جاهلة فتطيع، ضعيفة فتخضع، تابعة فلا تتبع حلمها، يلبسونها ثوب الإتهام قبل أن تسأل، ويحاكمونها فى محكمة العادات بقانون كتبه الجهل، ووقع عليه الصمت، يمجدوها فى الخطب، و يحقروها أنثى فى الدرب، يقبلون يدها فى العيد، ويكسرون حلمها فى كل يوم جديد، يقطفون ربيع عمرها قبل أن يزهر ويتركونها خريفا تساقطت أوراق أحلامه، يهدونها ذهبا ليشتروا صمتها، ويبخلون عليها بكلمه تحيي قلبها، هى بحر من العطاء، لكنهم لا يرون الا ملحها، ولا يسمعون الا صمتها فيسمونه رضا، فى العمل تعطى نصف الفرصة وتطالب بضعف النتيجة، إن نجحت قالوا أكيد ورائها رجل يساندها، وأن اخطأت قالوا طبيعة النساء، يضعون سقفا زجاجيا فوق رأسها، تراه ولا تستطيع كسره، وكلما قفزت أرتطمت بتحيز لا يرى، يريدونها تابعة فتطيع، صامته فلا تضيع، ضعيفة فلا تريع، فى الميراث تظلم، وفى الشهادة يشكك بها، وفى الشارع تحاسب على نظرة عابر، يسرقون منها لون الحياة ويتركونها لوحة باهتة، و قد حث ديننا الإسلامي الحنيف على حسن معاملة المرأة وتقدير مكانتها وضمان حقوقها المادية والمعنوية، وعلى نبذ العنف الموجه اليها على اختلاف أشكاله، لكن المرأة فى بعض المجتمعات لم تحظى بكامل حقوقها ولم تعط مكانتها التى أرادها الله لها بل على العكس ظلمت ظلما بينا استطال هذا الظلم كل مراحل حياتها، فلا يزال مسلسل الجهل والتخلف مستمرا و ملازما للبنت منذ طفولتها بدءا من تمييزها سلبا عن إخوانها البنين والمعاملة التفضيلية للذكر ويتمادى الظلم فى بعض الأحيان حتى يصل إلى حرمانها من التعليم والميراث، فقد نجد فى بعض المجتمعات من يحرم الفتاة ورثها لا لشيء إلا كونها بنت لا تحمل اسم والدها بالرغم من وجود رائدات فى المجال الأكاديمي و البحثى تفوقن على آلاف الرجال و خلدن اسماء أبائهن، ونجد فى بعض المجتمعات الريفية و الصعيدية، تقابل المرأة أيضا أشد انواع العذاب والقهر وخاصة في ليلة دخلتها من خلال المشهد البهيمى والمسلك الحيوانى لفض غشاء البكارة فى وجود الداية، وذلك بعد أن بيعت فى سوق الجوارى والمزاد لمن يدفع أكثر وربما تباع لرجل ستينى وهى لم تبلغ عامها الخامس عشر بعد، ففى هذه المجتمعات البنت لا يؤخذ برأيها فى شريك حياتها ضاربين عرض الحائط بشرع الله من أجل افكار الجهل والتخلف، والأغرب من ذلك أيضا هو نعت صوتها بالعورة، و مناداتها بإسم الزوج أو الأبن وهذه بدعة غير صحيحة وإذا كان لذلك نصيب من الصحة فكيف عرفنا أسماء زوجات الرسول الكريم أمهات المؤمنين، وكيف عرفنا والدة المسيح السيدة مريم العذراء وغيرهن من اللاتى أثرين الحياة الإنسانية.
وتستمر وتيرة الظلم على هذا النحو عبر ظاهرة الطلاق والترمل ونظرة المجتمع الآثمة للمرأة وعينيه المتلصصة محملا إياها المسئولية الكاملة عن الطلاق لسوء تصرفها، وعن الموت على أنها فأل شؤم، وهذا الظلم الواقع على المرأة قديم ويتجدد بصور وأنماط تختلف فى شكلها وتتفق فى مضمونها، فالمرأة تظلم من الجميع الأب والأخ والزوج وتظلم من قبل نفسها احيانا عندما تحمل نفسها ما لا طاقة لها به حين تتنازل عن حقها فهى المضحية تعطى ولا تأخذ تجوع حتى تشبع أطفالها، بائسة تصب قوتها فى أبناءها وتبتلع همومهم. وأحيانا تظلمها الثقافات الوافدة كما ظلمتها العادات والتقاليد البالية..وقد كان ظلم المرأة قديم فى الأديان والشعوب المختلفة فهى عند الإغريق سلعة تباع وتشترى فى الأسواق، وعند الرومان ليست لها روح يعذبونها بسكب الزيت على بدنها بل كانوا يربطون البريئات بذيول الخيل ويسرعون بها حتى تموت، وعند الهنود يرون أن الزوجة يجب أن تموت يوم موت زوجها وان تحرق معه وهى حية، وعند الفرس يكون للرجل حق التصرف بأن يحكم عليها بالموت أو ينعم عليها بالحياة، وفى اليهودية المحرفة هى لعنة لأنها أغوت ادم، وإذا أصابها الحيض لا تجالس ولا تلمس وعاء حتى لا يتنجس، وفى النصرانية المحرفة أن المرأة باب الشيطان وأن العلاقة معها رجس فى ذاتها..حتى جاء الإسلام لينصف المرأة و يصلها بخالقها و يرشدها إلى هدف الوجود وقيمة الحياة، وانزل القرآن ليعلن ضمان حقوق المرأة (فاستجاب لهم ربهم انى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر او أنثى بعضكم من بعض) ال عمران الأيه ١٩٥) .أى نجد تكريما خاصا للمرأة فى كتب الله المقدسة وأنه لا فرق بين ذكر أو أنثى الا بالتقوى والعمل الصالح، والمرأة المسلمة معززة مكرمة لها كافة الحقوق ما بقى الإسلام عزيزا ويظل المسلمون أوفياء للمرأة ما داموا متمسكين بالإسلام، وكلما تغرب الإسلام أو إنحرف المسلمون عاد الظلم للمرأة بصورة أو أخرى …وعلى المرأة أن تخطو إلى الأمام وعلى المجتمع أن يعمل على شرعنة خطواتها لا أن تنتظر المجتمع ليشرعن لها طريقها ويعيد رسمه بنفس الطريقة الديكتاتورية التى تسيطر على المجتمع والبعد النظرى و الفلسفى الذى يحكمه، كما يجب أن يكف المجتمع عن حالة المقارنة بين الرجل والمرأة وكأن حربا ضروسا بين جزأيه، وانما عليه أن يعيد بناء الحالة الصحية بين هذين الجزأين من خلال التعليم والتربية والإعلام، وإعادة رسم خطوط هذه العلاقة بشكلها السوى، فالمرأة لا تاخذ حقوقها من أجل أن تصبح كالرجل، إنه أمر مهين للمرأة سعيها أن تكون كالرجال، عليها أن تاخذ حقوقها لتكون كما هى امرأة فاعلة في مجتمعها تمثل بعده الأشد أهمية والذى يتكىء عليه البعد الآخر الذى يمثله الرجال. إن الظلم لا يقتل المرأة وحدها، بل يقتل أمة كاملة، فمن يقص نصف جناحيه لن يطير، اعطوها حقها لا منة منكم، بل حقا فرضه الله، و أقرته الحياة ،بالعدل تحيا الأوطان، وبالمرأة تحيا الأجيال…لابد أن نرفع ظلم المرأة بالعدل لا بالعطف، بالقلم لا بالقيد، بالقانون والضمير معا، بالقدوة لا الخطب، بالتعليم والتمكين، علموها منذ الصغر أنها كاملة عقل ودين، وأن طموحها ليس عورة، ادعموها فى تخصصات القيادة والعلوم والقرار، علموها فتنهض، مكنوها فتبدع، انصفوها فتصنع أمة، ربوا الولد أن الرجولة حماية لا سيطرة وأن القوامة مسؤولية لا تسلط .



