أقلام حره

بين قرارات التعليم وتصريحات الحكومة.. المواطن المصري يحتاج إلى الطمأنة لا مزيدًا من الضغوط

بقلم / سماح محروس

تتوالى في الآونة الأخيرة تصريحات وقرارات حكومية تتعلق بالتعليم وتنظيم الدراسة واستقبال الطلاب الوافدين، في وقت يعيش فيه المواطن المصري بالفعل تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة، وهو ما يفرض على الحكومة أن تدرس بعناية ليس فقط مضمون القرارات، وإنما أيضًا توقيتها وآثارها المباشرة على الأسرة المصرية.

فالمواطن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الأعباء أو القرارات التي تثير القلق، بقدر ما يحتاج إلى وضوح وشفافية وشعور حقيقي بأن الدولة تضع حقوق أبنائه ومستقبلهم التعليمي في مقدمة أولوياتها.

نتائج الطلاب.. الشفافية أولًا

لم يمر وقت طويل على حالة الجدل التي صاحبت نتائج العامين الدراسيين 2025 و2026، وما أثير بين بعض أولياء الأمور من تساؤلات ومخاوف حول آليات التصحيح والتقييم، خاصة مع الاعتماد المتزايد على أنظمة مثل الـ«بابل شيت».

وهنا لا يجوز توجيه اتهامات إلى أحد دون دليل، لكن من حق أولياء الأمور، بل ومن واجب الدولة، أن توفر أقصى درجات الشفافية بشأن منظومة التصحيح وإعلان النتائج، وأن تحقق بصورة واضحة في أي شكاوى أو مخالفات يتم تقديمها.

مستقبل الطالب ليس مجالًا للتجربة أو الاحتمالات، وأي خطأ في تقييمه قد يغير مسار حياته بالكامل.

لذلك فإن المطلوب هو وجود آليات مراجعة وتظلم فعالة، وإعلان نتائج التحقيقات في أي مخالفات تثبت، ومحاسبة كل من يثبت تجاوزه دون تهاون.

فحق الطالب المصري في تقييم عادل وشفاف، وحقه في الحصول على فرصة متكافئة في التعليم الجامعي الحكومي، يجب أن يظلا خطًا أحمر.

الحضور الإلزامي لطلاب البكالوريا.. القرار يحتاج إلى مراجعة

ويأتي الجدل الآخر بشأن اشتراط نسب للحضور والتقييم لطلاب الصفين الثاني والثالث من البكالوريا وربطها بدخول الامتحان.

لا أحد يعترض على الانضباط المدرسي أو أهمية حضور الطالب والاستفادة من المدرسة، ولكن المشكلة تبدأ عندما يصبح مستقبل الطالب مرتبطًا بدرجة كبيرة بتقييم بشري يمكن أن يختلف من مدرسة إلى أخرى ومن معلم إلى آخر.

فهل تضمن الوزارة أن جميع المدارس تقدم بالفعل مستوى الشرح نفسه؟

وهل تضمن انتظام جميع المعلمين واستعداد المدارس بالشكل الذي يجعل الحضور إلزاميًا وذا فائدة تعليمية حقيقية؟

وهل توجد ضمانات كافية تمنع إساءة استخدام نسب الحضور أو أعمال السنة أو التقييم في الضغط على الطلاب؟

هذه أسئلة مشروعة يجب الإجابة عنها قبل تطبيق قرارات تمس سنوات دراسية مصيرية في حياة أبنائنا.

إن ولي الأمر المصري لا يرفض الانضباط، ولكنه يرفض أن يصبح مستقبل ابنه أو ابنته عرضة لأي تعسف أو خلاف شخصي أو سوء استخدام للسلطة.

ومن هنا أطالب وزارة التربية والتعليم بوضع نظام رقابي واضح، وإتاحة التظلم الفوري من درجات الحضور والتقييم، وعدم ترك مصير الطالب بالكامل في يد عنصر بشري واحد دون رقابة أو مراجعة.

المدرسة يجب أن تستعيد دورها أولًا

قبل الحديث عن زيادة أيام الدراسة أو تشديد نسب الحضور، علينا أن نسأل سؤالًا أكثر أهمية:

هل استعادت المدرسة الحكومية بالفعل دورها التعليمي الكامل؟

الحقيقة التي يعرفها كثير من أولياء الأمور أن الدروس الخصوصية ما زالت تمثل عبئًا ضخمًا على الأسرة المصرية، وأن عددًا كبيرًا من الطلاب يعتمد عليها بصورة أساسية.

لذلك فإن إجبار الطالب على زيادة أيام الحضور دون تطوير حقيقي لجودة الشرح داخل المدرسة قد يعني ببساطة زيادة الأعباء؛ مصروفات انتقال، ومأكل، ووقت إضافي، ثم العودة في نهاية اليوم إلى الدروس الخصوصية نفسها.

الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإجبار الطالب على الجلوس داخل الفصل، وإنما بجعل الفصل مكانًا يستحق أن يذهب إليه الطالب.

وماذا عن الجامعات الحكومية؟

وفي الوقت نفسه، تثير تصريحات تتعلق بزيادة أعداد الطلاب الوافدين تساؤلات لدى كثير من الأسر المصرية حول الطاقة الاستيعابية للجامعات الحكومية.

من حق الدولة بالتأكيد أن تستقبل الطلاب الوافدين وفق قواعد واضحة، فهذا يحدث في جامعات العالم كلها، وقد تكون له فوائد تعليمية واقتصادية وثقافية.

لكن هذا لا يلغي السؤال الأساسي:

هل توسعت الدولة بالقدر الكافي في إنشاء الجامعات الحكومية وزيادة عدد الأماكن المتاحة للطالب المصري؟

قبل التوسع في أي أعداد إضافية، يجب أن يشعر المواطن أن ابنه المتفوق لن يجد أبواب الجامعات الحكومية تضيق أمامه.

الأولوية هنا ليست في رفض الآخرين، وإنما في ضمان حق المواطن المصري أولًا، والتأكد من أن قبول أي طالب وافد لا يأتي على حساب الأماكن المخصصة للطلاب المصريين أو جودة العملية التعليمية.

مجانية التعليم حق دستوري وليست منحة

لقد تحملت الأسرة المصرية خلال السنوات الأخيرة ضغوطًا مالية غير مسبوقة، من مصروفات المدارس إلى الكتب والدروس والمواصلات والجامعات.

ولذلك فإن الحفاظ على التعليم الحكومي القوي وإتاحة فرص عادلة للالتحاق بالجامعات الحكومية ليسا مجرد قضية تعليمية، بل قضية عدالة اجتماعية وأمن مجتمعي.

المتفوق الذي اجتهد سنوات من حقه أن يجد أمامه فرصة حقيقية، بغض النظر عن مستوى أسرته الاقتصادي.

ولا ينبغي أن يشعر المواطن بأن الطريق أصبح ممهدًا فقط لمن يستطيع تحمل تكاليف الجامعات الخاصة أو الأهلية.

رسالتي إلى الحكومة ووزارة التعليم

المواطن المصري لا يرفض الإصلاح، ولا يرفض التطوير، ولا يعارض الانضباط أو استقبال الطلاب الوافدين وفق القانون والإمكانات المتاحة.

لكنه يريد أن يرى أولاده أولًا في قلب اهتمام الدولة.

يريد شفافية في النتائج.

ويريد رقابة على التقييم المدرسي.

ويريد مدرسة تستحق الحضور إليها.

ويريد جامعة حكومية قادرة على استيعاب المتفوقين.

ويريد ألا يتحول التعليم إلى عبء إضافي فوق أعبائه الاقتصادية اليومية.

القرارات التعليمية لا تُقاس فقط بما يبدو جيدًا على الورق، وإنما بما يحدث عند تطبيقها داخل بيت المواطن والمدرسة والجامعة.

ولهذا فإنني أطالب الحكومة ووزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي بفتح حوار حقيقي مع أولياء الأمور والطلاب والمتخصصين قبل اتخاذ القرارات المصيرية، ونشر البيانات والأرقام بشفافية، ومراجعة أي قرار يثبت أن أضراره الاجتماعية تفوق فوائده.

فمستقبل أولادنا ليس ملفًا إداريًا عابرًا، وإنما مستقبل وطن كامل.

وحين يطمئن المواطن إلى عدالة التعليم وشفافيته، فلن يحتاج أحد إلى إقناعه بأن الدولة تقف إلى جانبه؛ لأنه سيرى ذلك بنفسه في مستقبل أبنائه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock