
مدحت الحلفاوي يكتب: حين يجبر الرئيس خاطر فنانة… أبوة في مقام المسؤولية
هناك مواقف تمر أمام أعيننا فنراها ثم ننساها. وهناك مواقف أخرى تتوقف عندها القلوب قبل العيون لأنها لا تحمل فقط كلمات قيلت في لحظة عابرة وإنما تحمل معنى أكبر من الكلمات وهكذا كان المشهد الذي جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بالفنانة هبة مجدي في احتفالية المولد النبوي الشريف التي أقيمت بمركز الصفوة للمؤتمرات الدولية بمقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة.
قدمت هبة مجدي فقرتها الفنية في أجواء روحانية تحمل خصوصية المناسبة ثم انتهت الفقرة وكان يمكن أن تنتهي اللحظة عند هذا الحد كما تنتهي فقرات كثيرة في المناسبات الرسمية. لكن الرئيس عبد الفتاح السيسي طلب منها أن تنتظر وتوجه إليها قائلا: «إزيك يا هبة بطمن عليكي». كلمات قليلة في عددها لكنها كبيرة في معناها لأنها لم تكن تحية رسمية عابرة وإنما سؤالا صادقا عن إنسانة عادت إلى الظهور العام بعد رحلة علاج وأزمة صحية مرهقة.
أجابت هبة مجدي الحمد لله. وهنا لم يكتف الرئيس بالسؤال وإنما انتقل إلى الدعاء. فقال لها إنه في هذا اليوم الجميل ومع الكلام الجميل الذي قدمته والتوسل الطيب الذي جاء في فقرتها يسأل الله العظيم رب العرش العظيم وبنور وجهه الكريم وبجاه المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يسعدها ويعافيها ويسترها ويحميها وألا يريها حزنا أو زعلا ثم قال اللهم آمين إنتي وكل الناس وكل سنة وإنتي طيبة.
وهنا تحديدا يتوقف الكلام لأن الدعاء في لحظة كهذه ليس مجرد كلمات تقال أمام الحضور. الدعاء جبر خاطر. والإنسان حين يخرج من تجربة مؤلمة لا يحتاج دائما إلى نصائح طويلة ولا إلى كلمات كثيرة. أحيانا يحتاج فقط إلى من يتوقف عنده ويسأله عن حاله ثم يقول له من القلب ربنا يحميك وربنا يعافيك وربنا يجبر خاطرك. وهذا بالضبط ما جعل هذه اللحظة الإنسانية تصل إلى الناس بهذه السرعة.
هبة مجدي لم تكن تقف أمام الرئيس في لحظة عادية. فقد عادت إلى الظهور العام بعد أزمة صحية ورحلة علاج صعبة اختارت أن تخوض تفاصيلها بعيدا عن الأضواء. وكانت قد تحدثت في وقت سابق عن أصعب وأشد مرض وأصعب علاج دون أن تدخل في تفاصيل مرضها وطلبت من جمهورها الدعاء. كما أكد زوجها الفنان محمد محسن لاحقا أن حالتها مستقرة وأنها دخلت المرحلة الأخيرة من العلاج مع الحفاظ على خصوصيتها.
لذلك فإن سؤال الرئيس عنها لم يكن بالنسبة إليها سؤالا عابرا. ربما كانت الكلمات القليلة قد لمست بداخلها كل ما مرت به من خوف وتعب وأيام ثقيلة. وربما لهذا ظهرت عليها علامات التأثر ولم تجد أمام الدعاء الصادق أكثر من أن تقول شكرا يا فندم ألف شكر. وفي بعض اللحظات لا يحتاج الإنسان إلى أن يقول الكثير لأن القلب يكون قد قال كل شيء قبل الكلمات.
ومن هنا لا أرى في موقف الرئيس عبد الفتاح السيسي مع هبة مجدي مجرد لفتة تجاه فنانة. أراه مشهدا إنسانيا يحمل معنى جبر الخاطر. وأرى فيه صورة من أبوة الموقف حين يطمئن كبير على صغير. ليست أبوة النسب وإنما أبوة المسؤولية التي تجعل الإنسان يشعر أنه ليس مجرد اسم بين ملايين الأسماء وأن ألمه يمكن أن يجد من يتوقف عنده ولو لدقائق.
وهذا هو المعنى الذي نفتقده كثيرا في زمن أصبحت فيه السرعة أقوى من المشاعر. قد نرى إنسانا متعبا ولا نسأله. وقد نعرف أن شخصا يمر بأزمة ثم نكتفي بالصمت. وقد تكون كلمة واحدة منا قادرة على أن تخفف عنه الكثير ولا نقولها. لكن الرئيس في هذا المشهد فعل شيئا بسيطا جدا في ظاهره وعميقا جدا في أثره. توقف وسأل ثم دعا.
والقيادة ليست قرارات فقط وليست اجتماعات ومؤتمرات ومشروعات. القيادة أيضا أن يعرف المسؤول متى يتحدث ومتى يصمت ومتى يسأل ومتى يجبر خاطرا. فالهيبة الحقيقية لا تنتقص عندما يقترب المسؤول من مشاعر الناس بل ربما تزداد حين يثبت أن المنصب لم يعزله عن الإنسان الذي يقف أمامه.
والأجمل أن هذا الموقف جاء في مناسبة تحمل في أصلها معنى الرحمة. ففي ذكرى مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي جاء رحمة للعالمين نتذكر أن الرحمة ليست شعارا يقال في المناسبات ثم ينتهي بانتهاء الاحتفال وإنما هي خلق وسلوك ومنهج حياة والكلمة الطيبة رحمة والدعاء رحمة وجبر الخاطر رحمة.
ولهذا بقيت لحظة قصيرة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وهبة مجدي أكبر من مجرد لحظة عابرة أمام الكاميرات. رئيس يطمئن على إنسانة مرهقة. وفنانة تسمع دعاء صادقا في مناسبة دينية ومشهد إنساني يصل إلى الناس دون استئذان. وربما أجمل ما في الحكاية كلها أن الإنسان لا يحتاج دائما إلى أن تعطيه شيئا حتى تسعده. أحيانا يكفي أن تقول له أنا شايف تعبك وأنا مطمن عليك وربنا يجبر خاطرك.
وهذه هي الأبوة التي يفهمها القلب قبل أن تشرحها الكلمات. أبوة المسؤولية حين يرى الرئيس في المواطن إنسانا قبل أن يراه رقما في وطن كبير وهي أيضا الرسالة التي يمكن أن نخرج بها من هذا المشهد الجميل. أن جبر الخاطر لا يحتاج إلى إمكانات كبيرة وإنما يحتاج إلى قلب يشعر وإلى إنسان يعرف قيمة الكلمة في وقتها.
فشكرا لكل من يجبر خاطرا. وشكرا لكل من يجعل الرحمة عادة لا مناسبة. وشكرا للرئيس عبد الفتاح السيسي على هذه اللحظة الإنسانية التي جعلت مشهد الاحتفالية يتجاوز حدود الفن والبروتوكول إلى مساحة أوسع وأجمل اسمها الإنسان.
أما هبة مجدي فنقول لها من القلب إن شاء الله تكون هذه العودة بداية لأيام أكثر راحة وطمأنينة. نسأل الله أن يتم عليك نعمة العافية وأن يجعل القادم من أيامك أهدأ وأجمل وأن يبدل كل خوف مررت به طمأنينة وكل ألم راحة وكل حزن فرحا. فالقلوب التي تعبت تستحق أن تجبر والأرواح التي قاومت تستحق أن تطمئن والدعاء الصادق قد يكون أحيانا أجمل هدية يمنحها إنسان لإنسان.
وفي النهاية تنتهي الاحتفالات وتنطفئ الأضواء وتغادر الكاميرات لكن بعض المواقف لا تنتهي بانتهاء المشهد لأنها لم تلمس العين فقط بل وصلت إلى القلب وربما لهذا ستبقى كلمات الرئيس لهبة مجدي في ذاكرة هذه المناسبة لا باعتبارها لحظة رسمية عابرة وإنما باعتبارها لحظة إنسانية تقول لنا إن جبر الخاطر قد يبدأ بسؤال بسيط عن الحال وينتهي بدعاء صادق يفتح في القلب نافذة أمل.
اللهم اجبر خاطر كل متألم واشف كل مريض وامنح كل قلب أثقله الخوف طمأنينة لا تزول واجعل الرحمة بيننا خلقا دائما لا موقفا عابرا.



