
وجيه نزيه ” يكتب : نهاية عصر القوالب الإجبارية و الأساليب القهرية لطالبات و طلاب الثانوية العامة .
البكــالوريا المـصـــرية" النظام الجديد .. نقلة من التلقين إلى الإختيار الحر .
تشهد منظومة التعليم في مصر مرحلة فارقة من التحول الإستراتيجي الهادف إلى جسر الهوية بين مُخرجات المُنظومة التعليمية و إحتياجات سوق العمل المُعاصر لطلبة المدارس بالثانوية العامة ،و الذي بات يتسم بالتغير المُتسارع و التطور التكنولوجي المُتقدم .
و على هذا السياق يبرز التوجه نحو تقديم مناهج مصرية بمواصفات عالمية تحت مسمى “البكالوريا” كخطوة جريئة و مدروسة لإعادة صياغة الهوية التعليمية المصرية لطلاب هذه المرحلة الحاسمة .. بحيث لا تقتصر على الحفظ و التلقين التقليدي ،و لكنها تمتد لتصبح حاضنة حقيقية للتفكير النقدي و الإبداع و الإبتكار و القدرة على حل المشكلات ،و هو ما يمثل طوق نجاة لخريجي الثانوية العامة الباحثين عن موطئ قدم في أسواق العمل المحلي و الإقليمي و ايضاً الدولي ،و لفهم هذا التطور المُستحدث و التحول العميق لابد من إستعراض الإرث الطويل من التخبط و التغييرات المُتتالية التي شهدتها صفوف الثانوية العامة و ما قبلها ،و التي طالما عانت من فترات إنتقالية غير مُستقرة و نماذج تقييم تعتمد بشكل مفرط على المجموع و الإمتحانات الورقية المعيارية الواحدة التي تقيس الذاكرة قصيرة المدى بدلاً من المهارات الخلاقة لدى طلبة الثانوية .. فمنذ عقود ظلت المنظومة تحاول التحرر من سطوة نظام الإمتحانات التقليدية لهذه الفئة العمرية عبر محاولات مُتقطعة لتطبيق نظام التحسين أو تقسيم السنوات الدراسية أو إدخال ما يُعرف بنظام التابلت و الأسئلة الذكية الحديثة إلا أن تلك المحاولات أصطدمت مراراً و تكراراً بثقافة مُجتمعية مُتأصلة لدى الأسر المصرية تقدس مجموع الثانوية العامة و تعتبره المعيار الأوحد للنجاح .. فضلاً عن تباين مستويات الإعداد بين المدارس الحكومية و الخاصة .. فلقد رافق تلك التغييرات السابقة حالة من عدم اليقين و القلق المستمر لدى طلبة الثانوية العامة و أسرهم .. حيث كانت التعديلات غالباً ما تبدو جزئية و مُجتزأة لا تمس جوهر المناهج و طرق التدريس المأمول عليه ،و لكنها تكتفي بتغيير أساليب الإمتحانات وحدها مما أدى إلى صنع فجوة واسعة بين ما يتعلمه الطالب طوال سنوات الثانوية و بين ما يتطلبه الواقع المهني العملي .
و على النقيض من ذلك تأتي منظومة “البكالوريا” الجديدة لتؤسس لفلسفة تعليمية شاملة ترتكز على مواصفات عالمية لطلبة الثانوية العامة مع الحفاظ على الهوية الوطنية مُتجاوزة عيوب الماضي ،و في قلب هذا التحول الجذري يبرز النظام الجديد ليمنح طالب الثانوية العامة حرية حقيقية في إختيار مساره الدراسي بناءً على ما تميل إليه قدراته العقلية و مهاراته الشخصية و غاياته المستقبلية التي يفضلها مُحطماً بذلك القوالب النمطية الإجبارية التي طالما قيدت الطلاب في شُعب دراسية مُحددة بغض النظر عن شغفهم .
و على هذا النظام الجديد تتجسد أبرز مميزات هذا التوجه في بناء شخصية مُتكاملة لطالب الثانوية العامة قادرة على التَكيف السريع مع مُتطلبات الإقتصاد الرقمي و المعرفي .. حيث تدمج المهارات التطبيقية و العملية في صُلب المُقررات و تعتمد على آليات تقييم متنوعة تقيس الفهم العميق و التحليل الرصين و البحث العلمي القويم بدلاً من الضغط النفسي المُرتبط بإمتحان مصيري واحد .
و علاوة على ذلك تمنح هذه المناهج خريجي الثانوية شهادات ذات تنافسية عالية تفتح أمامهم أبواب الجامعات العالمية و سوق العمل الدولي بثقة و أداء مُتميز .. فإن الإنتقال نحو نظام البكالوريا بمواصفاته العالمية لطلبة المدارس بالثانوية العامة يعكس إرادة حقيقية لتجاوز عثرات الماضي و نقل التعليم المصري من مرحلة إعداد الطلاب لإجتياز الإمتحانات المفروضة إلى مرحلة تأهيل الأجيال لصناعة مستقبلهم بإختيار واعي ،و هو ما يُبشر بواقع مهني أكثر إشراقاً لشباب الخريجين القادرين على الإبداع و المنافسة بفاعلية قوية و حضور لافت في تعدد أسواق العمل و المال و الأعمال و كافة المحافل و مستوي مُناقشاتها و طرق أبحاثها .



