المنصه الدوليه

أبو مازن ومسيرة وطن… عندما يكتب التاريخ أسماء الرجال

كتب/ رامي الغف*
في مسيرة الشعوب، تأتي لحظات لا تُقاس فيها القيادة بعدد المؤيدين ولا بحجم التصفيق، بل بقدرة الإنسان على حمل المسؤولية عندما تثقل الأعباء، وحين تصبح القرارات أكثر صعوبة، والخيارات أكثر تعقيدًا. ففي تلك اللحظات فقط يظهر معدن الرجال، ويسقط كل ما هو زائف، ويبقى ما يتركه الإنسان من أثر في ذاكرة وطنه.
فلسطين ليست وطنًا عاديًا، وليست قضية عابرة في صفحات التاريخ. إنها قضية شعب دفع أثمانًا باهظة من دماء أبنائه، ومن صبر أسره، ومن معاناة جرحاه، ومن أحلام أجياله التي ما زالت تنتظر الحرية والكرامة. ولهذا فإن المسؤولية الوطنية لا تحتمل المزايدات، ولا تسمح بأن تتحول القضية إلى ساحة للصراعات الشخصية أو الحسابات الضيقة.
فالقيادة الحقيقية ليست لقبًا ولا موقعًا، بل أمانة ومسؤولية. والقائد الذي يفهم معنى الوطن يدرك أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملكه من سلطة، بل بما يقدمه لشعبه، وبقدرته على حماية الثوابت وصناعة الأمل في أصعب الظروف.
والقائد الحكيم هو من يرى أبعد من لحظة الحاضر، ويقرأ المستقبل بكل تحدياته واحتمالاته، فلا يكتفي بإدارة الأزمات، بل يسعى لصناعة طريق للخروج منها. وهو الذي يعرف أن الشعوب قد تصبر على الكلام، لكنها في النهاية تحكم على الأفعال والنتائج.
ومن هنا، فإن التاريخ الفلسطيني كان دائمًا ميدانًا لاختبار القيادات. فكم من أصوات ارتفعت ثم اختفت، وكم من مواقف بقيت لأنها ارتبطت بمسؤولية وطنية حقيقية. فالتاريخ لا يحفظ أصحاب الضجيج، بل يحفظ من تحملوا الأعباء عندما كانت الطريق مليئة بالعقبات.
وفي هذا السياق، تبقى مسيرة الرئيس محمود عباس أبو مازن جزءًا من تاريخ سياسي فلسطيني طويل امتد لعقود، شهد خلالها مراحل مفصلية من عمر القضية الفلسطينية، وتعامل مع ظروف داخلية وإقليمية ودولية شديدة التعقيد.
ويرى مؤيدو الرئيس أبو مازن أنه اختار طريق العمل السياسي والمؤسساتي، وتمسك بالحفاظ على القرار الوطني الفلسطيني، ودعا إلى الحوار والشراكة وإنهاء الانقسام، انطلاقًا من رؤية تقول إن قوة الفلسطينيين لا يمكن أن تكتمل إلا بوحدتهم وقدرتهم على تجاوز خلافاتهم الداخلية.
إن فلسطين اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الانقسام، بل إلى مشروع وطني جامع، وإلى قيادة تدرك أن الخلاف في الرأي يمكن أن يكون مصدر قوة إذا بقي داخل إطار المصلحة الوطنية، وأن أخطر ما يواجه الشعوب هو أن تتحول الخلافات الداخلية إلى معارك تستنزف القدرة على مواجهة التحديات الكبرى.
فالقيادة الناجحة هي قيادة القلوب قبل المواقع، وهي التي تبني الثقة قبل أن تطلب الطاعة، وتجمع الناس حول الهدف المشترك بدل أن تزيد المسافات بينهم. والوطن لا يُبنى بإقصاء أبنائه، بل بمشاركة الجميع في تحمل المسؤولية.
إن المرحلة القادمة تحتاج إلى رؤية واضحة، وإلى قرارات شجاعة، وإلى مصالحة وطنية حقيقية تعيد ترتيب الأولويات، وتضع الإنسان الفلسطيني وحقوقه ومستقبله في مقدمة كل الحسابات.
وسيأتي اليوم الذي يقرأ فيه التاريخ هذه المرحلة بعيدًا عن الانفعال والمصالح الآنية، وسيضع كل شخصية في مكانها الطبيعي. فالتاريخ لا يحاكم الناس بحجم حضورهم الإعلامي، بل بما تركوه من أثر، وبما قدموه لشعوبهم في اللحظات الفاصلة.
وفي النهاية، تبقى فلسطين أكبر من الجميع، وأبقى من كل الخلافات، وأقوى من كل الأزمات. وما تحتاجه اليوم هو أن يتقدم صوت الوطن على كل الأصوات، وأن تكون وحدة الشعب الفلسطيني هي الطريق نحو حماية الحقوق الوطنية وصناعة مستقبل يليق بتضحيات أبنائه.
فالأوطان لا تصنعها الكلمات وحدها، بل تصنعها المواقف. والتاريخ وحده هو من يكتب أسماء الرجال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock