
الدكتورة هبة الحسيني.. الأدلة الرقمية بين القانون والتكنولوجيا في مواجهة الجريمة الحديثة
كتب اشرف ابواليزيد
انضمت الدكتورة هبة الحسيني إلى ملتقى خبراء شركة الحياة للدراسات والبحوث، في إضافة جديدة للملتقى بما تمتلكه من خبرات أكاديمية ومهنية في مجالات القانون الدولي العام، وأمن المعلومات، والأمن السيبراني، والأدلة الرقمية.
وتحمل الدكتورة هبة الحسيني درجة الدكتوراه في القانون الدولي العام، وتشغل منصب مستشار أمن المعلومات بالاتحاد العربي للتحكيم في المنازعات الاقتصادية والاستثمار، كما أنها عضو الجمعية المصرية للقانون الدولي، وعضو الجمعية العمومية العربية للعلوم السياسية، ومحاضر بجامعة بنها.
ويأتي انضمامها إلى ملتقى خبراء شركة الحياة في إطار تعزيز تبادل الخبرات والمعرفة بين المتخصصين والباحثين والخبراء في المجالات القانونية والتكنولوجية والأكاديمية المختلفة.
أصبح العالم يعيش مرحلة غير مسبوقة من الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية، فلم تعد الهواتف الذكية والحواسب وشبكات الإنترنت والمنصات الإلكترونية مجرد أدوات للتواصل أو إنجاز الأعمال، وإنما أصبحت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية.
وبقدر ما ساهم التطور التكنولوجي في تسهيل حياة الإنسان، فقد أوجد في المقابل أنماطًا جديدة من الجرائم والمخاطر، وأصبح من الممكن أن تُرتكب الجريمة دون وجود الجاني في المكان الذي تظهر فيه آثارها.
وقد يكون الجاني في دولة، والضحية في دولة أخرى، بينما توجد البيانات التي يمكن أن تساعد في كشف الحقيقة على خادم أو منصة إلكترونية في دولة ثالثة.
ومن هنا برزت أهمية الأدلة الرقمية باعتبارها إحدى أهم الأدوات الحديثة في التحقيق الجنائي وإثبات الجرائم، وأصبح التعامل معها يحتاج إلى تداخل حقيقي بين القانون والتكنولوجيا والعلوم الجنائية والتعاون الدولي.
وفي هذا السياق يأتي اهتمام الدكتورة هبة الحسيني، دكتورة القانون الدولي العام والمتخصصة في جرائم أمن المعلومات والأمن السيبراني، بموضوع الأدلة الرقمية باعتباره أحد الموضوعات التي تقف في نقطة التقاء القانون بالتكنولوجيا الحديثة.
أولًا: ما الدليل الرقمي؟
الدليل الرقمي هو كل معلومة أو أثر يمكن أن تكون له قيمة في إثبات واقعة قانونية، ويكون موجودًا أو محفوظًا في صورة رقمية.
وقد يكون الدليل الرقمي موجودًا داخل الهاتف المحمول، أو أجهزة الحاسب، أو الأقراص الصلبة، أو وحدات التخزين، أو البريد الإلكتروني، أو تطبيقات المحادثات، أو منصات التواصل الاجتماعي، أو أنظمة المراقبة الرقمية، أو الخوادم، أو قواعد البيانات، أو أجهزة إنترنت الأشياء، أو الخدمات السحابية.
كما يشمل سجلات الدخول إلى الأنظمة، وبيانات المواقع الجغرافية، وسجلات الشبكات، والبيانات الوصفية (Metadata).
ثانيًا: لماذا أصبح الدليل الرقمي مهمًا في الجريمة الجنائية؟
في الجريمة التقليدية قد يبحث المحقق عن بصمة أو سلاح أو شاهد أو مستند، أما في البيئة الرقمية فقد يكون هناك نوع آخر من البصمات، وهو البصمة الرقمية (Digital Footprint).
فكل استخدام تقريبًا للتكنولوجيا قد يترك آثارًا رقمية. فقد يقوم شخص بإرسال رسالة، أو الدخول إلى حساب، أو استخدام جهاز، أو إجراء تحويل إلكتروني، أو الدخول إلى نظام معلوماتي، أو استخدام موقع إلكتروني، وهذه الأنشطة قد تترك وراءها بيانات يمكن أن تساعد في إعادة بناء ما حدث.
وهنا تظهر أهمية التحقيق الرقمي، فالمحقق لا يبحث فقط عن إجابة لسؤال: «ماذا حدث؟»، وإنما يحاول الوصول إلى إجابات أكثر دقة: من قام بالفعل؟ ومتى حدث؟ وكيف حدث؟ وما الجهاز المستخدم؟ وما الحساب المستخدم؟ وهل تم حذف البيانات أو تعديلها؟ وهل هناك شخص آخر استخدم الجهاز؟ وهل البيانات أصلية؟ وهل يمكن ربطها بالشخص محل التحقيق؟
ثالثًا: ليست كل لقطة شاشة دليلًا كاملًا
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن مجرد وجود صورة شاشة (Screenshot) يعني أن القضية أصبحت مثبتة، بينما الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك.
فلقطة الشاشة قد تكون مفيدة جدًا، ولكن السؤال القانوني والفني هو: كيف تم الحصول عليها؟ وهل يمكن التحقق من مصدرها وسلامتها وسياقها؟
وهنا يجب التفرقة بين وجود معلومة رقمية وبين القدرة على تقديمها كدليل يمكن الوثوق به.
فقد تحتاج جهة التحقيق إلى معرفة مصدر البيانات، وتاريخ الحصول عليها، والجهاز الذي وُجدت عليه، والشخص الذي قام بجمعها، وكيفية استخراجها، وما إذا كانت قد تعرضت للتغيير أثناء عملية الجمع، وما إذا كانت هناك نسخة أصلية منها، ومدى إمكانية التحقق من سلامتها، فضلًا عن توثيق إجراءات التعامل معها ووجود سلسلة حيازة واضحة للدليل.
ولهذا تستخدم التحقيقات الرقمية وسائل فنية للحفاظ على البيانات والتحقق من عدم تغييرها، ومنها إنشاء نسخ جنائية مطابقة واستخدام تقنيات التحقق الرقمي مثل الـ Hash.
رابعًا: سلسلة حيازة الدليل الرقمي
من أهم المفاهيم التي يجب أن يفهمها العاملون في المجال القانوني مفهوم Chain of Custody أو «سلسلة حيازة الدليل».
والمقصود بها توثيق رحلة الدليل منذ لحظة اكتشافه أو ضبطه وحتى تقديمه إلى جهة التحقيق أو المحكمة.
وتتمثل هذه الرحلة في:
اكتشاف الدليل ← ضبطه ← حفظه ← نقله ← فحصه ← تحليله ← توثيق نتائجه ← تقديمه.
والهدف من ذلك هو الإجابة عن سؤال جوهري: هل الدليل الذي يتم تقديمه أمام القضاء هو نفسه الدليل الذي تم الحصول عليه في البداية، دون تغيير أو عبث؟
وهنا يلتقي القانون بالتكنولوجيا بصورة واضحة، وتبرز أهمية وجود متخصصين قادرين على فهم الأبعاد القانونية والفنية للأدلة الرقمية، خاصة مع التطور المتسارع للجرائم الإلكترونية والأمن السيبراني وتزايد اعتماد المجتمعات والمؤسسات على البيئة الرقمية.
ويعكس انضمام الدكتورة هبة الحسيني إلى ملتقى خبراء شركة الحياة للدراسات والبحوث أهمية الجمع بين الخبرات القانونية والتكنولوجية داخل منصات تبادل المعرفة، بما يسهم في إثراء النقاش المتخصص حول التحديات القانونية التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة وسبل التعامل معها.



