
مدحت الحلفاوي يكتب: الرضا والشكر والتأمل في نعم الله والستر والطمأنينة
في زحام الحياة ينشغل كثير من الناس بما ينقصهم أكثر مما يلتفتون إلى ما يملكون. يطاردون أمنيات لم تتحقق ويحسبون ما فاتهم وينسون ما أنعم الله به عليهم. ولو توقف الإنسان لحظة صادقة مع نفسه لوجد أنه يعيش بين نعم لا تحصى ورحمة لا تنقطع وستر يلازمه في كل حين. ومن هنا يبدأ طريق الرضا ويولد الشكر وتسكن الطمأنينة القلب.
الرضا ليس استسلاما للواقع كما يظن البعض بل هو قوة داخلية تجعل الإنسان يتعامل مع أقدار الله بقلب مطمئن وعقل متزن. فالإنسان الراضي لا يتوقف عن السعي ولا يهجر العمل ولا يترك الطموح ولكنه يدرك أن النتائج بيد الله وأن الخير فيما اختاره الله له. لذلك ينام قرير العين حتى وإن تعثرت بعض أمنياته لأن يقينه بالله أكبر من مخاوفه.
ومن أجمل ما يزين حياة الإنسان أن يتأمل نعم الله عليه. فنعمة البصر وحدها لو فقدها المرء لأدرك قيمتها. ونعمة السمع والصحة والعافية والأهل والأصدقاء والأمان كلها نعم عظيمة تحيط بنا كل يوم حتى أصبحنا نراها أمورا عادية. بينما هناك من يتمنى جزءا يسيرا مما نملكه نحن دون أن نشعر.
والشكر ليس كلمة تقال باللسان فقط بل سلوك يظهر في حياة الإنسان. فشكر نعمة العلم يكون بنفع الناس به. وشكر نعمة المال يكون بمساعدة المحتاج. وشكر نعمة الصحة يكون بالحفاظ عليها. وكلما شكر العبد ربه ازدادت البركة في حياته وشعر بقيمة ما بين يديه.
ومن أعظم النعم التي يغفل عنها كثير من الناس نعمة الستر. كم من خطأ ارتكبناه فسترنا الله. وكم من زلة أخفاها عنا وعن الناس. وكم من عيب لو ظهر لتغيرت نظرة الكثيرين إلينا. ومع ذلك يستمر فضل الله علينا ورحمته بنا. فحق على كل عاقل أن يحمد الله على ستره قبل أن يحمده على أي نعمة أخرى.
إن الطمأنينة الحقيقية لا تأتي من كثرة المال ولا من الشهرة ولا من المناصب. كم من غني يبيت قلقا وكم من مشهور يعيش مضطربا وكم من صاحب منصب يخشى زوال مكانته. أما الطمأنينة فهي رزق يمنحه الله لمن عرفه وأحسن الظن به وأدرك أن ما عند الله خير وأبقى.
وللناس نقول. لا تقارنوا حياتكم بحياة الآخرين فلكل إنسان طريقه وقدره. وانظروا إلى ما عندكم قبل أن تنظروا إلى ما عند غيركم. واحمدوا الله على النعم الصغيرة قبل الكبيرة. وعودوا أنفسكم على ذكر الحمد في السراء والضراء. فمن شكر استراح ومن رضي اطمأن ومن توكل على الله كفاه.
وتذكروا أن الأيام لا تدوم على حال. فكما تمر الشدائد تمر الأفراح. وكما يأتي الحزن يأتي الفرج. فلا تجعلوا لحظة ضيق تنسيكم سنوات من النعم. ولا تجعلوا خسارة عابرة تمحو من ذاكرتكم عطايا الله التي لا تعد ولا تحصى.
إن الرضا والشكر والتأمل في نعم الله مفاتيح لحياة أكثر سعادة وهدوءا. ومن عاش شاكرا راضيا مطمئنا أدرك أن أجمل ما في الحياة ليس ما نملكه بل ما نشعر به من قرب الله ورحمته. فالحمد لله على ما أعطى والحمد لله على ما منع والحمد لله على نعمة الستر والحمد لله على نعمة الرضا والحمد لله على الطمأنينة التي تملأ القلوب المؤمنة.
اللهم ارزقنا رضاك ورضا قلوبنا بما قسمت لنا واجعلنا من الشاكرين لنعمك الظاهرة والباطنة.
اللهم اجعل لنا في الستر رحمة. وفي العافية نعمة وفي الطمأنينة سكينة ولا تحرمنا لذة حمدك عند النعمة والصبر عند البلاء.
اللهم اجعل قلوبنا مطمئنة بك راضية بقضائك شاكرة لفضلك.
واكتب لنا خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده.
إنك أنت الكريم الرحمن الرحيم



