أقلام حره

مدحت الحلفاوي يكتب: بين القراءة السطحية والفهم العميق الكلمة مسؤولية لا هواية

لم تعد الكلمة اليوم تحتاج وقتا لتنتشر بقدر ما تحتاج وعيا لتفهم أصبحت القراءة السريعة سمة العصر بينما تراجع التأمل الهادئ الذي يمنح المعنى عمقه الحقيقي
ومع هذا التدفق الهائل للمعلومات بات الإنسان أمام اختبار يومي لا يتعلق بما يقرأه فقط بل بكيفية قراءته ومدى قدرته على التمييز بين المعرفة السطحية والفهم الذي يصنع الوعي
وهنا تظهر قيمة القراءة الحقيقية لا كفعل استهلاك للمعلومة بل كمسؤولية فكرية تعيد تشكيل العقل وتحدد طريقة إدراكه للعالم
في زمن أصبحت فيه سرعة الوصول إلى المعلومة متاحة للجميع بضغطة زر لم تعد المشكلة في الحصول على المعرفة بقدر ما أصبحت في كيفية التعامل معها وفهمها واستيعابها وتحويلها من مجرد معلومات عابرة إلى وعي حقيقي يشكل الفكر والموقف.
فكثيرون يقرأون لكن قلة فقط هي التي تتأمل وتعيد النظر وتربط بين الأفكار وتدرك أبعاد ما تقرأه خارج سطوره المباشرة ومن هنا يتضح الفارق الكبير بين القراءة بوصفها عادة يومية وبين القراءة باعتبارها ممارسة واعية لبناء العقل وصناعة الرأي.
فالقراءة السطحية قد تمنح الإنسان معرفة سريعة أو انطباعا مؤقتا لكنها نادرا ما تصنع فهما عميقا أو رؤية متكاملة أما القراءة العميقة فهي التي تمنح النص حياة أخرى وتفتح أبواب التفكير وتكشف العلاقات الخفية بين الأفكار وتدرب القارئ على التحليل والنقد وإعادة بناء المعنى بدل استهلاكه فقط.
ولعل أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم أن جزءا من الوعي العام أصبح يبنى على قراءات سريعة أو عناوين مختصرة أو مقاطع مجتزأة دون الرجوع إلى أصل الفكرة أو فهم سياقها الكامل وهنا تتحول الكلمة من وسيلة للتنوير إلى أداة لسوء الفهم وتصبح الأحكام أسرع من أن تراجع وأوسع من أن تفهم.
ومن واقع تجربة امتدت لأكثر من ربع قرن في صناعة الكتاب والتعامل مع النصوص بمختلف أنواعها أدركت أن النصوص لا تمنح أسرارها من القراءة الأولى وأن الفهم الحقيقي لا يأتي دفعة واحدة بل يتشكل مع التكرار والتأمل وإعادة النظر.
فكم من كتاب بدا بسيطا في قراءته الأولى ثم انفتح مع الوقت على معان أعمق مما يبدو وكم من فكرة لم تكشف جوهرها إلا بعد صبر طويل على إعادة القراءة والتأمل في تفاصيلها الصغيرة.
وخلال هذه السنوات الطويلة مرت بين يدي أعمال كثيرة ومتنوعة من كتب علمية واجتماعية وثقافية إلى نصوص دينية وتحقيقات كتب ومخطوطات وتراث عربي وإسلامي وكل تجربة منها كانت تضيف يقينا جديدا بأن المعرفة الحقيقية لا تمنح بسرعة بل تكتسب بالصبر والبحث والتدقيق.
ولهذا فإن الكلمة المكتوبة أو الرأي الذي يطرح أمام الناس لا ينبغي أن يكون نتاج انفعال لحظي أو رغبة في الظهور بل يجب أن يسبقه فهم هادئ وتأمل عميق وإدراك لمسؤولية ما يقال وما ينشر لأن الكلمة قد تبني وعيا ناضجا وقد تهدم تصورا سليما وقد تجمع الناس أو تفرقهم وقد تصحح مفهوما أو تزرع وهما جديدا.
إن احترام عقول القراء يبدأ من احترام الكلمة نفسها ومن إدراك أن الرأي مسؤولية قبل أن يكون حقا وأن من يتصدر للحديث في فكرة أو قضية أو نص عليه أن يمنحها ما تستحقه من قراءة وفهم قبل أن يمنحها حكمه أو انطباعه.
ولهذا يبقى الفهم العميق هو الطريق الأقصر إلى الحقيقة وتبقى القراءة الواعية هي الحصن الذي يحمي الإنسان من الوقوع في أسر الأحكام المتعجلة والانطباعات الخادعة مهما بدت مقنعة في ظاهرها.
وفي النهاية فإن الأمم لا تبنى بكثرة الكلام وإنما تبنى بعمق الفهم وصحة الوعي وكلما ارتقى وعي الإنسان ارتقت كلماته وارتفعت قيمة ما يقدمه للآخرين.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وفهما وحكمة واجعل الكلمة الطيبة صدقة جارية وألهمنا الصواب في القول والعمل واحفظ أقلامنا من الزلل وألسنتنا من الخطأ وقلوبنا من الهوى إنك سميع مجيب الدعاء.
مدحت الحلفاوي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تعد الكلمة اليوم تحتاج وقتا لتنتشر بقدر ما تحتاج وعيا لتفهم أصبحت القراءة السريعة سمة العصر بينما تراجع التأمل الهادئ الذي يمنح المعنى عمقه الحقيقي
ومع هذا التدفق الهائل للمعلومات بات الإنسان أمام اختبار يومي لا يتعلق بما يقرأه فقط بل بكيفية قراءته ومدى قدرته على التمييز بين المعرفة السطحية والفهم الذي يصنع الوعي
وهنا تظهر قيمة القراءة الحقيقية لا كفعل استهلاك للمعلومة بل كمسؤولية فكرية تعيد تشكيل العقل وتحدد طريقة إدراكه للعالم
في زمن أصبحت فيه سرعة الوصول إلى المعلومة متاحة للجميع بضغطة زر لم تعد المشكلة في الحصول على المعرفة بقدر ما أصبحت في كيفية التعامل معها وفهمها واستيعابها وتحويلها من مجرد معلومات عابرة إلى وعي حقيقي يشكل الفكر والموقف.
فكثيرون يقرأون لكن قلة فقط هي التي تتأمل وتعيد النظر وتربط بين الأفكار وتدرك أبعاد ما تقرأه خارج سطوره المباشرة ومن هنا يتضح الفارق الكبير بين القراءة بوصفها عادة يومية وبين القراءة باعتبارها ممارسة واعية لبناء العقل وصناعة الرأي.
فالقراءة السطحية قد تمنح الإنسان معرفة سريعة أو انطباعا مؤقتا لكنها نادرا ما تصنع فهما عميقا أو رؤية متكاملة أما القراءة العميقة فهي التي تمنح النص حياة أخرى وتفتح أبواب التفكير وتكشف العلاقات الخفية بين الأفكار وتدرب القارئ على التحليل والنقد وإعادة بناء المعنى بدل استهلاكه فقط.
ولعل أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم أن جزءا من الوعي العام أصبح يبنى على قراءات سريعة أو عناوين مختصرة أو مقاطع مجتزأة دون الرجوع إلى أصل الفكرة أو فهم سياقها الكامل وهنا تتحول الكلمة من وسيلة للتنوير إلى أداة لسوء الفهم وتصبح الأحكام أسرع من أن تراجع وأوسع من أن تفهم.
ومن واقع تجربة امتدت لأكثر من ربع قرن في صناعة الكتاب والتعامل مع النصوص بمختلف أنواعها أدركت أن النصوص لا تمنح أسرارها من القراءة الأولى وأن الفهم الحقيقي لا يأتي دفعة واحدة بل يتشكل مع التكرار والتأمل وإعادة النظر.
فكم من كتاب بدا بسيطا في قراءته الأولى ثم انفتح مع الوقت على معان أعمق مما يبدو وكم من فكرة لم تكشف جوهرها إلا بعد صبر طويل على إعادة القراءة والتأمل في تفاصيلها الصغيرة.
وخلال هذه السنوات الطويلة مرت بين يدي أعمال كثيرة ومتنوعة من كتب علمية واجتماعية وثقافية إلى نصوص دينية وتحقيقات كتب ومخطوطات وتراث عربي وإسلامي وكل تجربة منها كانت تضيف يقينا جديدا بأن المعرفة الحقيقية لا تمنح بسرعة بل تكتسب بالصبر والبحث والتدقيق.
ولهذا فإن الكلمة المكتوبة أو الرأي الذي يطرح أمام الناس لا ينبغي أن يكون نتاج انفعال لحظي أو رغبة في الظهور بل يجب أن يسبقه فهم هادئ وتأمل عميق وإدراك لمسؤولية ما يقال وما ينشر لأن الكلمة قد تبني وعيا ناضجا وقد تهدم تصورا سليما وقد تجمع الناس أو تفرقهم وقد تصحح مفهوما أو تزرع وهما جديدا.
إن احترام عقول القراء يبدأ من احترام الكلمة نفسها ومن إدراك أن الرأي مسؤولية قبل أن يكون حقا وأن من يتصدر للحديث في فكرة أو قضية أو نص عليه أن يمنحها ما تستحقه من قراءة وفهم قبل أن يمنحها حكمه أو انطباعه.
ولهذا يبقى الفهم العميق هو الطريق الأقصر إلى الحقيقة وتبقى القراءة الواعية هي الحصن الذي يحمي الإنسان من الوقوع في أسر الأحكام المتعجلة والانطباعات الخادعة مهما بدت مقنعة في ظاهرها.
وفي النهاية فإن الأمم لا تبنى بكثرة الكلام وإنما تبنى بعمق الفهم وصحة الوعي وكلما ارتقى وعي الإنسان ارتقت كلماته وارتفعت قيمة ما يقدمه للآخرين.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وفهما وحكمة واجعل الكلمة الطيبة صدقة جارية وألهمنا الصواب في القول والعمل واحفظ أقلامنا من الزلل وألسنتنا من الخطأ وقلوبنا من الهوى إنك سميع مجيب الدعاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock