أقلام حره

التقارب الهندي الإسرائيلي المتنامي قراءة في الابعاد

بقلم أمنية بوقراس  باحثة في العلوم السياسية و العلاقات الدولية جامعة الجزائر

في أعقاب التطورات الجيوسياسة و المتغيرات المتسارعة في بنية النظام الدولي ، تشكل تقارب هندي إسرائيلي نتيجة تشابك المصالح الاستراتجية ، وهوما يعكس تحولات فيالتوازنات على المستوى الإقليمي و الدولي ، يأتي هذا التقارب في طل سعي الهند الى تطوير قدراتها العسكرية و التكنولوجية لحماية مصالحها الاستراتجية الى جانب تنويع شراكتها في المقابل استفادة إسرائيل مع توسيع أسواق صناعتها الدفاعية و تعزيز حضورها الاستراتيجي، و لم يعد هاد التقارب مقتصر على تعاون ثنائي بل أصبح يحمل دلالات إقليمية و دولية .

  و لفهم طبيعة هذا  التقارب لابد من العودة الى مسار العلاقة الهندية الاسرائلية التي مرت بمحطات بين المد و الجزر ، تميزت خلال مرحلة التسعنيات من القرن الماضيباتساع هوة الخلاف في بعض القضايا الإقليمية و على رأسها القضية الفلسطنية التي كانت تدعمها و تؤيد منطلق فكرة حرية الاستقلال و الشعب الفلسطني ، الا أن مع نهاية التسعنيات انتقلت لمرحلة الاصطفاف مع إسرائيل خدمة لسياستها المناهضة في تكريس نفوذها بما يخدم مصالحها الاستراتجية ، وكانت هذه المرحلة مفصلية في تاريخ العلاقات الهندية الإسرائيلية و هو ما يعكس بداية التقارب بين البلدين خاصة بعد صعود مودي عام 2014 الى الحكم وانتهاجه لسياسة تميل الى إسرائيل للأحسن و فاسطين للأسوأ و قد ظهر ذلك جليا في أول رئيس وزراء هندي يزور اسرائيل عام 2017، فضلا عن أحداث السابع أكتوبر 2023 ، التي سارعت الهند فيها إلى تأييد الحرب الإسرائيلية على القطاع، ووصفتها بأنها “دفاع عن النفس”، ونشر مودي على موقع إكس تغريدة يقول فيها “لقد صدمت بشدة من الهجمات الإرهابية في إسرائيل، ندعو للضحايا الأبرياء وعائلاتهم ونصلي لأجلهم، نتضامن مع إسرائيل في هذه الساعة الصعبة”.

وانطلاقا من هذا المسار ،أظهر التقارب الهندي الإسرائيليالى تغيير طبيعة العلاقة من التقارب الاستراتجي الى الشراكة الاستراتجية نتيجة تقاطع المصالح الاستراتجية ،فالهند تكمن مصلحتها في تحقيق مكاسب استراتجية و عسكرية واقتصادية كبرى متمثلة في التكنولوجيا العسكرية المتقدمة و تبادل المعلومات الاستخبارتية لمواجهة التهديدات الإقليمية  ، بينما إسرائيل تجدها شريكا استراتجيا يوفر لها عمقا بشريا و صناعيا وسوقا ضخما لصادرتها العسكرية الى جانب ذلك حليفا سياسيا و ديبلوماسيا يمنحها دعما في المحافل الدولية .

ومنه وظف الطرفان سياسة التحالف القائمة على التعاون العسكري لاسيما في المجال الأمني و الاستخبارتي ، إضافة الى استخدام الأداة الاقتصادية كجسر لتعزيز التبادل التجاري ، ما يفتح للهند طريقا يسمح لها بالحصول على المعدات المتقدمة و تطوير القدرات التكنولوجية و العسكرية ،في حين يتيح الفرصة لإسرائيل بتوسيع أسواقصناعتها الدفاعية ،  وتعزيز حضورها و نفوذها في منطقة آسيا .

وفي اطار هذا السياق يعكس التقارب الاستراتيجي بين الهند و إسرائيل لاسيما  في المجال العسكري و التكنولوجي انعكاسا على المستوى الإقليمي و الدولي لاسيما بعد انتقال العلاقة من نموذج الزبون و المورد الى نموذج الشريك الاستراتيجي ما شكل تهديدا إقليميا و دوليا

على المستوى الإقليمي .

بالنسبة لباكستان : ترتبط باكستان مع الهند بحكم التقارب الجغرافي ، على غرار التوترات القائمة بينهم إزاء القضية الحدودية كشمير ، وعلى ضوء هذا التقارب الهندي مع إسرائيل يخلق معضلة أمنية بحيث  الهند تكرس قدراتها العسكرية و التكنولوجية و هذا ما تنظر له باكستان على انه تهديد مباشر يهدد مصالحها الاستراتجية و أمنها القومي ما يدفع باكستان الى تعزيز قدراتها الدفاعية و العسكرية لمواجهة التهديدات وهذا. ما ينتج عنه ثقل إقليمي .

اما بالنسبة لإيران تربط ايران بالهند علاقة اقتصادية أساسها المصالح في مجال الطاقة والنقل الإقليمي، حيث ظلت إيران لسنوات المورد الرئيسي للنفط الخام للهند، ومُشارِكة في تطوير ميناء تشابهار الإيراني الإستراتيجي الذي يعد مدخلا إلى أفغانستان وآسيا الوسطى دون المرور عبر باكستان ، و لكن منذ 2019 أجبرت الهند  على تراجع مع طهران بعد العقوبات التي طالت شركتها التي تتعامل مع ايران ، و بالرغم من موقف الهند اامتحفظ في الحرب الإسرائيلية الأمريكية على ايران الا ان التقارب الهندي مع إسرائيل  يشكل تهديدا يكمن في تقويض النظام الإيراني من خلال تضييق الخناق الجيوسياسي و الاقتصادي فضلا عن دفع الهند نحو تقليص تدريجي لمشاركتها في المشاريع الإيرانية الاستراتجية تحت ضغوط ، و بالتالي الهند قد تتحول الى أداة  ضغط يهدد ايران جيوسياسيا و اقتصاديا  ، ما يضع الهند تحت اختبار في مبدا سلوكها الخارجي القائم على الموازنة .

ولم يقتصر هذا التهديد على باكستان و ايران بل امتد الى البيئة الأمنية العربية ،فتعزيز إسرائيل لقدراتها العسكرية و تطوراتها التكنوجية  وتوسيع شراكتها قد يساهم في تكريس نفوذها و تفوقها الاستراتيجي،وهذا ما يفرض تحديات إضافية على الامن القومي العربي خاصة في ظل استمرار التوترات و تصادم المصالح الدولية في منطقة الشرق الأوسط

 

تلخص الدراسة الى أن التقارب الإسرائيلي الهندي  تكون نتيجة تقارب الرؤى و تشابك المصالح الاستراتجية ، و قد تم تعزيز التقارب من خلال التعاون في مجالات شتى ، فلم تقتصر العلاقة على التعاون العسكري بل شملت الاقتصاد و التكنولوجيا ،وهو مايعكس تجسيد تحالفا استراجيا يختلف فيه دوافع الطرفين فبينما تسعى الهند تعزير قدرتها  و مكانتها الاستراتجية في مواجهة التهديدات الإقليمية،تستفيد إسرائيل من توسيع أسواقها الدفاعية و تعزيز حضورها في اسيا ،هذا التقارب يساهم في التاثير في توازنات القوى خاصة في طل التنافس العندي الباكستاني و التنافس الهندي الصيني في حين يفرض على الهند الموازنة في علاقاتها مع قوى إقليمية و دولية .

كما يمكن النظر للتقارب الهندي الإسرائيلي ضمن سياق من تفاعلات و مصالح إسرائيلية أمريكية  تسعى الى ربط أوروبا بآسيا مع تعزيز نفوذ إسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط بينما ترى الهند التقارب على أساس مصلحة استراتجية عسكرية تكنولوجية  تخلق لها سياسة ردعية تواجه به باكستان على حدودها لتعزز نفوذها و تحافظ على مكانتها الاستراتجية .

وعليه يبقى هذا التقارب مرتبط بمدى قدرة الطرفين الحفاظ على مصالحهم الاستراتجية في ظل اختلاف توجهاتهم  الاستراتجية  و ارتباطهم الاقليمي و الدولي و هذا ما يجعل تعمق العلاقة اكثر ترجيحا. نظر لما يحمله الطرفين من مصالح تعزز قدراتهم الاستراتجية في المنطقة  مقابل احتمال تراجع مستوى الشراكة  ضئيل في حال ما تغيرت مصالح احد الطرفين في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock