محاكم السوشيال ميديا… حين يتحول الرأي إلى حكم وجلد للناس
بقلم د. ابتسام حمدي
دكتوراه في الإعلام – استشاري العلاقات العامة والتواصل الإنساني والاجتماعي
في ظل الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، لم تعد هذه المنصات مجرد وسيلة للتعبيرعن الرأي أومساحات لتبادل الصور ولكتابة الذكريات بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ما يشبه محاكم غوغائية تصدر أحكاما قاسية دون تحقق قد تدمر حياة الإنسان.
“الله أعلم بالحقيقة“ ليست مجرد جملة عابرة أو عبارة دينية أو إجتماعية، بل هو قاعدة للتحقق ومبدأ أساسي يجب أن يسبق أي تعليق أو مشاركة.
ومع ذلك، نلاحظ تزايد ظاهرة إصدار الأحكام السريعة،خاصة في القضايا الحساسة التي تتعلق بحياة الأفراد ومصائرهم.
تكمن خطورة هذه الظاهرة في أن الرأي العام الرقمي يتشكل غالبا بناء على من يسبق بعرض روايته، نحن نعيش في زمن الهشاشة المعرفية، حيث تبنى المواقف على نصف حقيقة أو وجهة نظر منفرده ولو تبدلت الأدوار، وقدمت الرواية الأخرى أولا، لتبدلت معها الأحكام وتغيرت اتجاهات الهجوم، مما يكشف عن خلل عميق في معايير الإنصاف والعدالة لدى الجمهور.
فعلى سبيل المثال، حين يعلن عن حالة انتحار، يتجه كثيرون فورا إلى توجيه أصابع الإتهام لطرف آخر، وكأن الحقيقةواضحة لا تحتمل الشك، ثم تنهال الشتائم والسباب، بينما الواقع أكثر تعقيدا، إذ قد يكون الشخص المنتحر قد مر بإضطرابات نفسية، أو أزمات وصرعات خفية لا تظهر للعلن، أو ضغوط لم يفصح عنها، تجاهل هذه العوامل والاكتفاء برواية واحدة لايعد فقط سذاجه بل هو ظلم مضاعف يلحق بالضحية ومن حولها وتشويه سمعة عائلة بالكامل.
في الحقيقة أن السوشيال ميديا منحتنا جميعا مكبرات صوت، لكنها لم تمنحنا الحكمة لإستخدامها، تبقى المسؤولية الأخلاقية على عاتق كل مستخدم فالتريث، والتحقق، وإلتماس الأعذاروالإستماع لكافة الأطراف، ليست رفاهية بلضرورة، قبل أن نتحول جميعا إلى ضحايا وجناة في آن واحد.
هل في المرة القادمة التي تصادف فيها قضية “رأي عام” مثيرة للجدل.. هل ستملك الشجاعة لتكون “الشخص الصامت” الذي ينتظر الحقيقة، أم ستنجرف مع التيار وتصدر حكمك قبل فوات الأوان؟



