
بين الدراما والتشريع: حين يُهدَّد استقرار الطفل تحت ضغط الأهواء
بقلم سماح محروس
في السنوات الأخيرة، لم يعد الجدل حول قضايا الحضانة والأسرة مجرد نقاش قانوني هادئ، بل تحول إلى ساحة مشحونة بالصراع الإعلامي والدرامي، حيث تتداخل الروايات وتتشوه الحقائق، ويُعاد تشكيل وعي المجتمع وفق مشاهد تمثيلية لا تعكس دائمًا الواقع. الأخطر من ذلك، أن هذا المناخ بدأ يضغط في اتجاهات تشريعية قد تُبنى على الانطباعات لا على الأسس الراسخة.
إن تصوير المرأة في بعض الأعمال الدرامية باعتبارها الطرف المعتدي أو “الشرير” الذي يحرم الأب من أبنائه، يتجاهل واقعًا مؤلمًا تعيشه آلاف الأمهات، ممن تحملن لسنوات أعباء التربية والإنفاق، في ظل غياب أو تقصير بعض الآباء. هذا التبسيط المخل لا يظلم المرأة فقط، بل يُسيء أيضًا لفكرة العدالة نفسها، حين يُختزل الصراع الأسري في صورة نمطية سطحية.
القضية في جوهرها ليست صراعًا بين رجل وامرأة، بل مسؤولية مجتمعية تجاه الطفل. فالطفل ليس أداة ضغط، ولا ورقة تفاوض، ولا وسيلة للانتقام. وأي تشريع يُصاغ يجب أن ينطلق أولًا من مصلحة الطفل النفسية والاجتماعية، لا من رغبات طرف على حساب الآخر.
الحديث المتزايد عن “الاستضافة” كبديل أو مكمّل لنظام الحضانة يثير تساؤلات مشروعة. فبينما قد يبدو المفهوم في ظاهره دعمًا لحق الأب في التواصل مع أبنائه، إلا أن تطبيقه دون ضوابط صارمة قد يفتح الباب أمام مشكلات أخطر، تبدأ من التلاعب النفسي بالطفل، ولا تنتهي عند احتمالات النزاع أو الإيذاء أو حتى الخطف في بعض الحالات غير المستقرة. التشريع لا يُبنى على النوايا الحسنة فقط، بل على قراءة دقيقة للواقع بكل تعقيداته.
لقد جاء القانون في صورته الحالية بعد تجارب مريرة، وعالج بالفعل ثغرات تاريخية كانت تدفع المرأة ثمنها من استقرارها النفسي وكرامتها الإنسانية، كما وفّر قدرًا من الحماية للأطفال من بيئات غير آمنة. العودة إلى الوراء، تحت ضغط حملات عاطفية أو تصورات درامية، تمثل مخاطرة حقيقية قد تعيد إنتاج نفس الأزمات التي سعى المجتمع للتخلص منها.
التشريعات الرشيدة لا تُفصّل لإرضاء طرف، ولا تُبنى على حالات فردية أو قصص متخيلة، بل تستند إلى قواعد فقهية وقانونية مستقرة، وإلى دراسات واقعية توازن بين الحقوق والواجبات. والانحياز في صياغة القانون، مهما كان مبرره، يؤدي في النهاية إلى خلل في ميزان العدالة، يدفع ثمنه المجتمع بأكمله.
إن حماية الأسرة لا تتحقق بإقصاء طرف لصالح آخر، بل بإرساء منظومة عادلة تضمن حقوق الجميع، وفي مقدمتهم الطفل. المطلوب اليوم ليس تصعيد الخطاب أو تبادل الاتهامات، بل إعادة توجيه النقاش نحو جوهر القضية: كيف نضمن بيئة آمنة ومستقرة لنشأة الأطفال؟
ختامًا، يبقى السؤال الأهم: هل نُشرّع بعقولنا أم بردود أفعالنا؟
الإجابة على هذا السؤال هي التي سترسم ملامح المجتمع في السنوات القادمة



