أقلام حره

نهال الشافعى تكتب : الخريف الأوروبي.. أزمة حكومات أم بداية تحوّل في النظام السياسي الغربي؟

من شوارع فرنسا وإيطاليا إلى احتجاجات بوسطن.. لماذا يتصاعد الغضب الآن، وما الذي تكشفه هذه اللحظة عن مستقبل الديمقراطيات الغربية؟

 

بقلم: نهال الشافعي
الباحثة في الشؤون السياسية والاستراتيجية

هناك فارق بين أن يغضب المواطن من حكومته، وأن يبدأ في فقدان ثقته بقدرة النظام السياسي كله على الاستجابة لمطالبه. الفارق بين الحالتين هو ما يجعل المشهد الأوروبي الراهن جديرًا بقراءة تتجاوز صور الاحتجاجات والاشتباكات، وتبحث في الأسباب التي دفعت أعدادًا واسعة من المواطنين إلى النزول إلى الشوارع، وفي دلالة حدوث ذلك بالتزامن مع تصاعد المعارضة لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ما شهدته فرنسا وإيطاليا، بالتزامن مع تحركات احتجاجية في بلجيكا والبرتغال، خلال يومي 17 و18 أكتوبر الجاري، لا يعني أن أوروبا دخلت انتفاضة موحدة، ولا أن الحكومات القائمة أصبحت على وشك السقوط جميعًا. لكنه يكشف عن ضغوط اجتماعية واقتصادية وسياسية تتقاطع بين دول مختلفة، فيما تتباين قدرة كل دولة على احتوائها.

ومن هنا، فإن وصف المشهد بـ«الخريف الأوروبي» لا ينبغي أن يكون مجرد عنوان جذاب؛ بل مدخلًا لسؤال أكثر عمقًا: هل تستطيع الديمقراطيات الغربية تجديد العقد الاجتماعي الذي منح مؤسساتها شرعيتها لعقود، أم أنها تواجه اتساعًا في الفجوة بين ما تعد به السياسة وما يستطيع المواطن لمسه في حياته اليومية؟

فرنسا.. عندما تتجاوز الأزمة حدود الاحتجاج الاجتماعي

تقدم فرنسا المثال الأكثر وضوحًا على تداخل الأزمات. فقد خرجت مظاهرات واسعة في 17 أكتوبر، بمشاركة طلاب وعمال ونقابيين ومؤيدين لحركة السترات الصفراء، احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة وأوضاع التعليم. ووفقًا للأرقام التي نقلتها وسائل إعلام عن وزارة الداخلية الفرنسية، بلغ عدد المشاركين نحو 550 ألفًا على مستوى البلاد، بينما شهدت بعض المدن أعمال عنف وتخريب واشتباكات مع الشرطة.

لكن اختزال ما يحدث في فرنسا في أعمال الشغب وحدها يحجب جوهر الأزمة. فالمشكلة ليست في ارتفاع الأسعار فقط، وإنما في شعور قطاعات من المجتمع بأن قدرتها على تحمل الأعباء تتراجع، في الوقت الذي تطالب فيه الحكومة بخفض العجز وضبط الإنفاق العام.

هنا تظهر المعضلة الحقيقية: الدولة مطالبة بتقديم خدمات أفضل، وتمويل التعليم والصحة والخدمات المحلية، والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، لكنها مطالبة أيضًا بالسيطرة على عجز مالي متزايد ودين عام يضيّق مساحة الحركة أمام صانع القرار.

وقد أظهرت تغطيات فرنسية ودولية أن مشروع موازنة 2027، وما يرتبط به من إجراءات للحد من العجز، أصبح جزءًا من المواجهة السياسية والاجتماعية. فالإصلاح المالي قد يبدو ضرورة اقتصادية من منظور الحكومة والأسواق، لكنه قد يتحول إلى عبء سياسي عندما يشعر المواطن بأن تكلفة الإصلاح تقع عليه بصورة مباشرة، بينما لا يرى تحسنًا متناسبًا في الخدمات أو الدخول.

وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب الانقسام السياسي الذي أعقب الانتخابات التشريعية الفرنسية في 2024، والذي جعل بناء توافق مستقر حول السياسات العامة أكثر صعوبة. فحين تتجزأ الخريطة الحزبية، ولا تستطيع القوى السياسية تقديم بديل يحظى بثقة واسعة، يصبح الشارع ساحة للتعبير عن مطالب لا تجد دائمًا قناة سياسية قادرة على جمعها والتفاوض بشأنها.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط التحول في الأزمة الفرنسية: ليست المسألة فقط أن الحكومة تواجه معارضة، بل أن النظام السياسي يواجه صعوبة في تحويل السخط الاجتماعي إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار.

وهذا لا يعني أن جميع المحتجين يرفضون النظام الديمقراطي، أو أنهم يتبنون رؤية سياسية واحدة. فالاحتجاجات تجمع مطالب مختلفة، وقد تتجاور فيها المطالب المشروعة مع أعمال العنف التي لا يمكن تبريرها. لكن اتساع المشاركة، وتداخل مطالب الطلاب والعمال ومؤيدي الحركات الاحتجاجية السابقة، يشيران إلى أن الأزمة تجاوزت ملفًا منفردًا إلى سؤال أوسع بشأن العدالة الاجتماعية والتمثيل السياسي.

إيطاليا.. الاستقرار الحكومي لا يعني بالضرورة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي

على الجانب الآخر، تقدم إيطاليا صورة مختلفة، لكنها ترتبط بالمشهد الفرنسي من زاوية مهمة. فحكومة ميلوني حافظت على قدر من الاستمرارية السياسية، غير أن ذلك لا يلغي التحديات المرتبطة بضعف النمو وارتفاع الدين العام وتكلفة المعيشة.

وفي 17 أكتوبر، شهدت مدن إيطالية، بينها ميلانو وبولونيا وتورينو، احتجاجات على الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار، تخللت بعضها اشتباكات وأعمال تخريب. وفي اليوم التالي، تجددت المواجهات في ميلانو، بينما أدانت ميلوني العنف وأعلنت عن اجتماع حكومي لبحث التطورات.

وتواجه إيطاليا معضلة مالية لا يمكن تجاهلها. فقد أشار تقرير لرويترز في 15 أكتوبر إلى أن الدين العام يبلغ نحو ثلاثة تريليونات يورو، وأن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تدور حول 136.7%، في وقت تزداد فيه الضغوط على الموازنة بفعل تكاليف الفائدة واحتياجات الطاقة والدفاع. كما تواجه الحكومة انتخابات وطنية مرتقبة في العام المقبل، وهو ما يضيف بُعدًا سياسيًا إلى قرارات الإنفاق والإصلاح.

من هنا، لا يكفي تقييم أداء الحكومات الأوروبية وفق قدرتها على البقاء في السلطة أو الحفاظ على تماسك ائتلافاتها. فالحكومة قد تتمتع باستقرار برلماني نسبي، لكنها تظل معرضة لضغوط اجتماعية إذا لم يتحول هذا الاستقرار إلى نمو وفرص عمل وتحسن في مستوى المعيشة.

والدرس الاستراتيجي في الحالة الإيطالية أن الاستقرار السياسي شرط مهم لإدارة الأزمات، لكنه ليس بديلًا عن النتائج الاقتصادية والاجتماعية التي ينتظرها المواطن.

كما أن انتقال صور الاحتجاجات من فرنسا إلى إيطاليا، وظهور دعوات إلى محاكاة التحركات الفرنسية، لا يثبت وجود قيادة موحدة أو مشروع أوروبي مشترك وراءها. لكنه يوضح كيف يمكن لنجاح الاحتجاج في جذب الانتباه داخل دولة أن يتحول إلى مرجع رمزي لمجموعات تواجه مشكلات مشابهة في دولة أخرى.

بوسطن.. ما الذي تقوله الاحتجاجات الأمريكية عن أزمة الثقة؟

في الولايات المتحدة، حملت تحركات «لا للملوك» (No Kings) في 17 أكتوبر رسالة سياسية مختلفة في شكلها، لكنها تتقاطع مع المشهد الأوروبي في سؤال جوهري: كيف يمكن للمواطنين التأثير في السلطة ومحاسبتها؟

ومن المهم هنا تصحيح صورة قد توحي بها بعض المشاهد المتداولة؛ فلم تشهد بوسطن في ذلك اليوم تكرارًا للحشد الضخم الذي ملأ حديقة بوسطن العامة في مارس الماضي. بل اتخذت التحركات طابعًا مختلفًا، مع تجمع محدود في الحديقة، وأنشطة محلية عديدة لتشجيع المواطنين على التصويت المبكر قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في 3 نوفمبر.

وتكتسب هذه التحركات أهميتها من السياق السياسي الأمريكي. فشعار «لا للملوك» يعكس اعتراض المشاركين على ما يرونه توسعًا في السلطة التنفيذية ومخاطر على الضوابط الديمقراطية، فيما يراهن المنظمون على المشاركة الانتخابية باعتبارها وسيلة للتأثير في مسار الحكم.

لكن الدلالة الاستراتيجية الأهم ليست أن الولايات المتحدة تسير بالضرورة نحو أزمة مماثلة للأزمة الفرنسية؛ فالمؤسسات السياسية، وطبيعة النظام الانتخابي، وأسباب الاحتجاج تختلف من بلد إلى آخر. إنما تكمن الدلالة في أن الصراع على الثقة السياسية أصبح حاضرًا بقوة في مجتمعات غربية تمتلك تقاليد مؤسسية راسخة، ولكنها تواجه خلافات متزايدة حول حدود السلطة، والعدالة الاقتصادية، وفاعلية المؤسسات.

وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: في فرنسا، يعبّر قطاع من المحتجين عن غضبه من سياسات الحكومة ومن تراجع الخدمات والقدرة الشرائية، بينما يعبّر المشاركون في تحركات بوسطن عن مخاوف تتعلق بممارسة السلطة ومستقبل الضوابط الديمقراطية. تختلف المطالب المباشرة، لكن الحالتين تطرحان سؤالًا عن مدى شعور المواطنين بأن أصواتهم قادرة على إحداث تغيير فعلي.

ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين الاحتجاجات الأمريكية والأوروبية، أو اعتبارها حركة واحدة عابرة للأطلسي. فالتشابه في التوقيت لا يثبت وجود تنسيق سياسي بينها، كما أن تزامنها لا يعني وحدة دوافعها.

لماذا الآن؟ تآكل القدرة على الاحتمال قبل انهيار الثقة

في تقديري، لا يمكن تفسير التوقيت الراهن بعامل منفرد، بل بتراكم ثلاثة مستويات من الضغوط.

أولها اقتصادي واجتماعي. فارتفاع الأسعار وتكاليف السكن والطاقة والغذاء، مع شعور بعض الفئات بأن الدخول لا تواكب نفقات الحياة، يجعل الاستقرار الاقتصادي أقل قدرة على امتصاص التوترات. وحتى عندما تتراجع معدلات التضخم، لا تعود الأسعار تلقائيًا إلى مستوياتها السابقة؛ ولذلك قد يشعر المواطن بأن الأزمة مستمرة رغم تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية.

وتدعم بيانات أسعار الغذاء هذا الاتجاه؛ إذ أظهرت بيانات يوروستات التي حللتها يورونيوز ارتفاع أسعار الأغذية والمشروبات غير الكحولية في الاتحاد الأوروبي بنحو 34% بين أغسطس 2021 وأغسطس 2026. وهذه زيادة تراكمية لا تعني أن جميع الدول أو الأسر تأثرت بالمقدار نفسه، لكنها توضح حجم الضغط الذي تعرضت له ميزانيات الأسر خلال السنوات الماضية.

أما المستوى الثاني، فهو سياسي ومؤسسي. فعندما تتكرر الانتخابات والتغييرات الحكومية والوعود بالإصلاح، دون أن يلمس المواطن تحسنًا مستدامًا في الخدمات أو فرص العمل أو قدرته على تحمل النفقات، تتراجع فاعلية الخطاب السياسي التقليدي. ويصبح السؤال المطروح ليس فقط: من يحكم؟ بل أيضًا: ما الذي يتغير فعلًا عندما تتغير الحكومة؟

والمستوى الثالث يتعلق بالأجيال الجديدة. فالاحتجاجات الطلابية في فرنسا لم تبدأ من فراغ؛ إذ ارتبطت بأوضاع المدارس ونقص المعلمين ومشكلات التعليم، قبل أن تتسع مطالبها وتتقاطع مع مطالب اجتماعية أوسع. وهذا مهم لأن احتجاج الشباب على فرص المستقبل يختلف في دلالته عن احتجاج فئة على قرار حكومي محدد. فالشباب لا يناقشون فقط ظروفهم الحالية، بل يختبرون أيضًا مدى قدرتهم على بناء حياة مستقرة في السنوات المقبلة.

وتضاف إلى ذلك الضغوط الجيوسياسية التي تؤثر في الطاقة والإنفاق العام والأمن الأوروبي. فالتوترات الدولية ترفع كلفة بعض الخيارات الحكومية، وتفرض على الدول موازنة احتياجات الدفاع والأمن مع الإنفاق الاجتماعي. لكن من الخطأ اعتبار العامل الخارجي تفسيرًا كاملًا للاحتجاجات؛ إذ إن أثره يتوقف على هشاشة الأوضاع الاقتصادية الداخلية، وعلى قدرة الحكومات على توزيع الأعباء وإقناع المواطنين بجدوى سياساتها.

وبذلك، فإن التوقيت الراهن يعكس التقاء ضغوط تراكمت على مدى سنوات مع أحداث وسياسات أكثر قربًا من الحياة اليومية. فالأزمات لا تنشأ بالضرورة عندما يصبح المجتمع عاجزًا عن الاحتمال، بل قد تنفجر عندما يشعر قطاع واسع منه بأن استمرار الاحتمال لم يعد يقوده إلى مستقبل أفضل.

هل نحن أمام خريف أوروبي أم إعادة تشكيل للخريطة السياسية؟

أعتقد أن القراءة الأكثر أهمية للمشهد لا تتعلق بعدد المتظاهرين وحده، وإنما بما قد تفضي إليه هذه التحركات من إعادة توزيع للقوة داخل الأنظمة السياسية الأوروبية.

فحين تعجز الأحزاب التقليدية عن استيعاب المطالب الاجتماعية، تتسع المساحة أمام القوى التي تقدم نفسها باعتبارها بديلًا عن النخبة الحاكمة. وقد تستفيد من ذلك تيارات اليمين الشعبوي، كما قد تستفيد منه قوى اليسار الراديكالي والحركات الاحتجاجية. لكن هذه الاستفادة ليست تلقائية؛ إذ تتوقف على قدرة كل تيار على تحويل الغضب إلى برنامج سياسي مقنع، وعلى مدى استعداد الناخبين لمنحه الثقة.

وفي فرنسا تحديدًا، يمكن أن تؤثر الأزمة الاجتماعية في المناخ السياسي السابق للانتخابات الرئاسية لعام 2027، بينما تواجه إيطاليا استحقاقًا انتخابيًا في العام المقبل وسط تحديات اقتصادية ومالية. ولذلك، فإن انعكاس الاحتجاجات على صناديق الاقتراع قد يكون أكثر أهمية على المدى المتوسط من قدرتها على فرض تغيير فوري في الحكومات.

وهنا تبرز مخاطرة استراتيجية أخرى: أن يتحول العجز عن معالجة المطالب الاجتماعية إلى صراع على هوية الدولة نفسها. فقد تُستغل مشاهد العنف لتبرير سياسات أكثر تشددًا، أو لتوسيع خطاب التخويف من الهجرة، أو لتقديم الأزمة باعتبارها مواجهة بين أنصار النظام وخصومه. وقد ظهرت بالفعل محاولات من أطراف سياسية وإعلامية، داخل الولايات المتحدة وأوروبا، لتوظيف أحداث فرنسا في معاركها الأيديولوجية، كل وفق روايته الخاصة عن أسباب الأزمة.

وهذا لا يعني أن المخاوف المتعلقة بالأمن أو الهجرة أو النظام العام غير مشروعة، بل يعني أن التعامل معها يحتاج إلى تمييز بين المشكلات الفعلية وبين توظيفها سياسيًا. فالتفسير الذي يرد كل الأزمات إلى الهجرة وحدها يتجاهل مشكلات الإنتاجية والدين العام والخدمات والتمثيل السياسي، كما أن التفسير الذي يردها جميعًا إلى الفوارق الاقتصادية وحدها قد يتجاهل أزمات الاندماج والهوية والأمن التي تشغل قطاعات من المجتمعات الأوروبية.

والأخطر أن تنشغل القوى السياسية بتبادل الاتهامات أكثر من انشغالها بتقديم حلول قابلة للقياس والتنفيذ. ففي هذه الحالة، لا تعود الأزمة مجرد خلاف على الموازنة أو السياسات العامة، بل تصبح أزمة في قدرة النظام السياسي على بناء توافقات تسمح بإدارة الخلافات دون تحويلها إلى استقطاب دائم.

ما الذي تعنيه هذه التطورات لمستقبل أوروبا؟

من منظور استراتيجي، لا أرى أن الحديث عن انهيار أوروبا أو نهاية الديمقراطيات الغربية استنتاج تدعمه الوقائع الحالية. فالمؤسسات الأوروبية والأمريكية لا تزال تمتلك أدوات سياسية وقانونية واقتصادية للتعامل مع الأزمات، كما أن الاحتجاج في حد ذاته قد يكون دليلًا على استمرار المشاركة المدنية، لا على انهيار النظام الديمقراطي.

لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول الأزمات المتكررة إلى نمط دائم من الحكم تحت الضغط؛ حكومات تسعى إلى البقاء، وموازنات تحاول احتواء الدين، ومجتمعات تطالب بخدمات أفضل، وأحزاب تتنافس على استثمار الغضب، بينما تتراجع القدرة على بناء رؤية مشتركة للمستقبل.

وإذا استمر هذا المسار، فقد تواجه أوروبا صعوبة أكبر في الحفاظ على تماسكها الداخلي، وهو ما سينعكس بدوره على قدرتها على اتخاذ قرارات موحدة بشأن الدفاع والطاقة والهجرة والسياسة الخارجية. فالقوة الجيوسياسية لا تقاس فقط بحجم الاقتصاد أو القدرات العسكرية، بل أيضًا بقدرة الدولة على الحفاظ على التماسك الاجتماعي، وبقدرة مؤسساتها على اتخاذ قرارات صعبة دون فقدان ثقة المواطنين.

كما أن تراجع الثقة في بعض الديمقراطيات الغربية يمنح القوى الدولية المنافسة فرصة لتوظيف الانقسامات الداخلية في خطابها السياسي والدبلوماسي. لكنه لا يمنحها بالضرورة تفوقًا استراتيجيًا؛ فضعف الخصم في ملف لا يعني تلقائيًا امتلاك الطرف الآخر نموذجًا أكثر نجاحًا أو قدرة على الاستمرار.

ومن هنا، فإن السؤال الأوروبي لا ينبغي أن يكون: كيف يمكن إنهاء الاحتجاجات؟ بل: كيف يمكن معالجة الأسباب التي تجعلها تتكرر، مع الحفاظ على النظام العام والحقوق السياسية في آن واحد؟

فالقوة الأمنية تستطيع إعادة فتح الطرق وإخلاء الميادين، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة أزمة القدرة الشرائية، أو نقص المعلمين، أو ارتفاع تكاليف السكن، أو ضعف الثقة في المؤسسات. وبالمثل، فإن زيادة الإنفاق الاجتماعي دون إصلاح اقتصادي ومالي مستدام قد تؤجل المشكلة بدلًا من حلها.

المطلوب، إذن، ليس الاختيار بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية، بل بناء سياسات تستطيع الجمع بينهما، وتوزيع تكاليف الإصلاح بصورة أكثر إنصافًا، وإثبات أن القرارات الحكومية تحقق نتائج ملموسة.

الاختبار الحقيقي ليس في الشارع وحده

إن ما يحدث في فرنسا وإيطاليا، وما تعكسه تحركات «لا للملوك» في الولايات المتحدة، لا يثبت أن الغرب يواجه أزمة واحدة متطابقة، لكنه يكشف عن تحدٍّ مشترك: كيف تستعيد المؤسسات السياسية قدرتها على إقناع المواطنين بأن المشاركة الديمقراطية يمكن أن تغير واقعهم؟

بالنسبة إلى أوروبا، ستكون الأشهر المقبلة اختبارًا لقدرة الحكومات على الجمع بين الاستقرار المالي والاستجابة الاجتماعية، وقدرة الأحزاب على تقديم بدائل تتجاوز الشعارات، وقدرة المؤسسات على حماية النظام العام دون إغلاق المجال أمام التعبير السلمي.

أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن أهمية التحركات الأخيرة ستتحدد بمدى تحول المشاركة المدنية إلى تأثير انتخابي وسياسي، لا بحجم التجمعات وحده.

وفي الحالتين، لا يكمن الخطر في أن ينزل المواطن إلى الشارع، وإنما في أن يفقد ثقته بأن صوته، سواء عبر الانتخابات أو المؤسسات أو الاحتجاج السلمي، قادر على إحداث تغيير حقيقي.

وهنا، في تقديري، تكمن دلالة «الخريف الأوروبي»: ليست بالضرورة نهاية نموذج سياسي، وإنما لحظة اختبار صعبة لقدرته على تجديد شرعيته، قبل أن تتحول الفجوة بين وعوده وواقع المواطنين إلى أزمة أعمق في الحكم والتمثيل والثقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock