أقلام حره

قراءة في عقل الرئيس المصري: بين تفويض البرلمان وانتظار موافقته على الدفاع عن الخليج

د. مايسة خليل حسن
الأكاديمية المتخصصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية

ماذا لو أن قراراً واحداً، اتُّخذ في قاعة مغلقة، يمكن أن يحدد مصير ملايين البشر؟ هذا ما نواجهه عندما نتأمل قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي في السابع عشر من أكتوبر 2026، حين أعلن استعداد مصر للدفاع عن السعودية، وطلب تفويضاً برلمانياً مسبقاً. لماذا لم يتحرك فوراً؟ ولماذا طلب موافقة مسبقة بدلاً من انتظار اللحظة الحرجة؟ لا تكمن الإجابة في القانون وحده، بل في عقل القائد الذي يفضل أن يمسك بخيوط القرار. ولا تتوقف هذه الإجابة عند شخصية القائد، بل تمتد إلى البيئة الإقليمية التي يتحرك فيها، وإلى النظرية التي تفسر سلوكه، وإلى السؤال الذي يبقى معلقاً حول ما إذا كان هذا النمط من القيادة قادراً على تحويل المخاطر إلى فرص. وهذا ما سأتناوله بالتحليل في مقالي هذا.

يوصف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من قبل زملائه والمقربين بأنه مستمع من الطراز الفريد، وأنه لا يتعجل في اتخاذ أي قرار بدون دراسة شاملة. ولا يعد هذا مجرد كلام دبلوماسي، لأن القرار الأخير يكشف نمطاً واضحاً، إذ يفضل الرجل أن يضع الإطار قبل أن يتحرك، وأن يحدد الشروط قبل أن يوافق. ويعني طلب التفويض المسبق أنه قال للبرلمان إن مصر مستعدة، لكن بشرط. والشرط ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو جوهر القرار نفسه، لأنه دفاعي، وبطلب سعودي، وبموجب الدستور. ويمثل هذا تحكماً استراتيجياً في سيناريو التصعيد قبل أن يبدأ. ويتسق هذا مع نموذج الرمز التشغيلي الذي صاغه ألكسندر جورج، والذي يفترض أن لكل قائد منظومة معتقدات تحدد كيف يرى العالم السياسي، وكيف يقيّم الخصوم، وكيف يختار الاستراتيجيات. فالسيسي، بهذا المعنى، لا يرى القوة كأداة أولى، بل يرى الجاهزية القانونية كأداة ردع أكثر فعالية من التحرك العسكري نفسه. ويمثل هذا النمط استراتيجية معرفية، وليس مجرد صفة شخصية، لأن القرار يُتخذ بعد استنفاد البدائل، وليس قبلها.

تقول أدبيات القيادة إن القائد الحكيم هو الذي يستعد للحرب حتى لا يضطر لخوضها. هذا المبدأ، الذي يعود في جذوره إلى الحكمة العسكرية الكلاسيكية، لم يعد مجرد عبارة تُردد في كتب الاستراتيجية، بل أصبح معياراً عملياً يُقاس به وعي القائد بحدود قوته وحدود الخصم في آن واحد. ويطبق السيسي، بخلفيته الاستخباراتية، هذه القاعدة بحرفية، فهو لم يقل سنحارب، بل قال سنكون جاهزين. والفرق بين العبارتين ليس فرقاً لغوياً، بل هو الفرق بين التلويح والتنفيذ، أي بين أن تلوّح بالقوة لتجنب استخدامها، وأن تستخدمها فعلاً بعد أن تكون قد استنفدت كل البدائل.

والسؤال الذي يجب طرحه هنا هو لماذا يكون التلويح أكثر فعالية من التنفيذ في بيئة إقليمية مشتعلة. والإجابة تتجلى في طبيعة التهديد الذي تواجهه السعودية، فطائرات الحوثي المسيرة تهدد مطارات المملكة، والصواريخ المجنحة تعبر البحر الأحمر، وصاروخ باليستي وصل إلى ينبع. وهذه الهجمات لا تواجه بجيش نظامي تقليدي، بل بمنظومة ردع متكاملة. وفي هذا السياق، فإن مجرد إعلان الجاهزية يكون كافياً لردع الطرف الآخر، لأن الحوثي يدرك أن أي تصعيد جديد قد يفتح الباب أمام تدخل مصري مباشر، وهو ما لا يريده. وهنا تتجلى المفارقة، إذ تكون القوة التي لا تُستخدم أكثر تأثيراً من القوة التي تُستخدم، لأنها تترك للخصم هامشاً من عدم اليقين، وعدم اليقين هو أقوى أدوات الردع.

ويمكن تسمية هذا النمط من القيادة بالقيادة الاستباقية، التي تفترض أن القائد الفعال هو الذي يتوقع الأزمات ويستعد لها، وليس الذي يتفاعل معها بعد وقوعها. فالاستباقية هنا ليست مجرد رد فعل سريع، بل هي قدرة على قراءة المشهد قبل أن يتشكل، وتحديد نقاط التدخل قبل أن تُفرض، وبناء الإطار القانوني والمؤسسي قبل أن تُفتح النافذة. فطلب التفويض المسبق هو في جوهره استباقية مؤسسية، لأنه يحول القرار من رد فعل لحظي إلى إطار جاهز، ومن مبادرة شخصية إلى مسار دستوري، ومن احتمال إلى يقين. فالقائد الاستباقي لا ينتظر الأزمة ليتحرك، بل يحرك الأدوات قبل أن تصل الأزمة.

والاستباقية هنا تعني التحوط، والتحوط هو أعلى أشكال الحكمة الاستراتيجية. وهنا تتكشف الحكمة العميقة لهذا النمط، لأن القائد الذي يستعد للحرب هو الذي يمنعها، لأنه يجعل تكلفة العدوان أعلى من تكلفة التراجع. والقائد الذي يندفع إلى الحرب دون استعداد هو الذي يخسرها، لأنه يمنح الخصم ذريعة للتصعيد. فالسيسي، بطلبه التفويض المسبق، لم يكن يطلب إذناً لخوض حرب، بل كان يطلب إذناً ليكون مستعداً لخوضها. وهذا الاستعداد هو في جوهره رسالة ردع، وليس إعلان حرب. والفرق بينهما هو الفرق بين القوة التي تُهدد والتي تُستخدم، وبين الجاهزية التي تمنع الصراع والتي تفتعله.

وفي بيئة إقليمية تتشابك فيها التهديدات وتتعدد فيها الجبهات، لم يعد الاستعداد للحرب ترفاً استراتيجياً، بل أصبح ضرورة وجودية، فالحوثي لا يفهم إلا لغة القوة، وإيران لا تتراجع إلا أمام موازين قوى واضحة، وإسرائيل لا تحترم إلا من يمتلك أدوات الردع. والسيسي، بإعلانه الجاهزية وطلبه التفويض، أراد أن يقول لكل هؤلاء إن مصر ليست غائبة، ومصر ليست ضعيفة، ومصر لن تسمح بالمساس بأمن السعودية. وهذا القول، في حد ذاته، هو فعل ردع، وليس مجرد كلام. والفرق بين الردع والكلام هو الفرق بين من يملك الأدوات ومن لا يملكها. والسيسي، بطلبه التفويض، أثبت أنه يملك الأدوات، وأنه يعرف كيف يستخدمها.

ويمزج خطاب السيسي بين خطابين، خطاب رد الجميل للدعم الخليجي بعد 2013، وخطاب حماية المقدسات والأمن القومي العربي. وليس هذا المزج تناقضاً، بل هو استراتيجية ذكية، لأنه يخاطب من يهمه الاقتصاد، أولئك الذين يتذكرون من دعم مصر في أزمتها، ويخاطب من يهمه الدين والهوية، أولئك الذين يرون في السعودية حاملة المقدسات. ويمثل هذا المزج بين الخطاب التبادلي والخطاب التحويلي استراتيجية خطابية تهدف إلى تعبئة أوسع قاعدة ممكنة، تجمع بين من يهمه الاقتصاد ومن يهمه الدين والهوية. والقيادة الفعالة في نظريات صنع القرار ليست بالضرورة تلك التي تختار نمطاً واحداً، بل تلك التي تتكيف مع الجمهور وتستخدم الخطاب المناسب لكل سياق.

ولماذا الآن؟ لأن ثلاث دوائر التقت في وقت واحد، وهي دائرة المشكلة، التصعيد الحوثي، ودائرة السياسة، الجاهزية القانونية في الدستور ومعاهدة 1950، ودائرة الظرف، الضغوط الاقتصادية التي تجعل مصر بحاجة إلى دعم خليجي. ولم يخلق السيسي هذه اللحظة، لكنه التقطها بسرعة. وهذا ما يميز القائد الفعال عن غيره، ليس أنه يصنع اللحظات، بل أنه يعرف متى يتحرك عندما تُفتح النافذة. ويسمي علماء السياسة هذا التقاء المصالح بالنافذة السياسية، التي تفترض أن القرارات لا تُتخذ عندما تكون الأفكار جاهزة فقط، بل عندما تلتقي المشكلة والسياسة والظرف في لحظة واحدة. ولم يخلق السيسي النافذة، بل استغلها عندما فُتحت، ويشير هذا إلى أن القيادة ليست مجرد صنع قرارات، بل هي أيضاً التقاط اللحظة، أي القدرة على التحرك عندما تلتقي الظروف.

وأعلن السيسي في نفس الخطاب أن ولايته ستنتهي عام 2030، وأن الأمر محسوم وغير قابل للنقاش. ويحمل هذا الإعلان، رغم أنه قد يبدو منفصلاً عن موضوع التفويض، دلالة عميقة، لأن الرجل يعرف أن وقته محدود، ويريد أن يترك إرثاً مؤسسياً، لا مجرد قرار شخصي عابر. ويمثل طلب التفويض المسبق محاولة لترك إطار دستوري جاهز للتحرك، وليس مجرد ردة فعل لحظية. وهذا النمط من القيادة نادر في الأنظمة التي تطول فيها فترات الحكم، لأنه يتطلب وعياً بحدود الذات. ويميز علماء القيادة بين القائد المؤسسي الذي يريد أن تستمر السياسة بعد رحيله، والقائد الشخصاني الذي يربط السياسة بشخصه. ويشير إعلان السيسي عن نهاية ولايته، مقروناً بطلب تفويض مسبق، إلى أنه يريد أن يترك إرثاً مؤسسياً، أي إطاراً دستورياً جاهزاً للتحرك، وليس مجرد قرار شخصي عابر.

وتكون تكلفة الحرب باهظة في البيئات الإقليمية المعقدة، ولذلك يكون التلويح بالحرب أداة أكثر فعالية من الحرب نفسها. ويبدو السيسي، بوعيه الدقيق بحدود قدرات مصر الاقتصادية والعسكرية، وكأنه يمارس إدارة الإدراك الاستراتيجي، فهو لا يعلن تحركاً عسكرياً، لكنه يصوغ رسالة مدروسة تجعل الطرف الآخر، الحوثيين وإيران، يعيد حساباته ويضع في اعتباره احتمال التحرك المصري. وليس هذا النمط تراجعاً، بل هو قدرة استراتيجية على قراءة الخصم، وفهم كيف يفكر، وما الذي يخشاه، وكيف يمكن التأثير في قراره دون أن تدفع مصر تكلفة الفعل العسكري. فالقائد الذي يعرف عقل خصمه قبل أن يعرف قدراته هو الذي يفرض عليه معادلة الردع دون أن يطلق رصاصة واحدة. ويتسق هذا مع نظرية الإدراك الانتقائي التي تفترض أن صانع القرار يميل إلى تفسير المعلومات بما يتوافق مع توقعاته المسبقة. فالسيسي، بخلفيته الاستخباراتية، يميل إلى التحوط والتشكك، وليس إلى الثقة والاندفاع. وفي أنظمة القيادة المتحوطة، يكون التلويح أداة أكثر فعالية من التنفيذ، لأن التلويح يحقق أهداف الردع دون تكلفة الحرب.

لكن قراءة قرار التفويض لا تكتمل دون فهم الخريطة الجيوسياسية التي يتحرك فيها، فمنذ أكتوبر 2023، تغير كل شيء، إذ أعادت حرب غزة تعريف الأولويات الأمنية المصرية، وأشعلت الحرب على إيران في فبراير 2026 أسعار الطاقة وأضعفت الجنيه، وخسّرت أزمة البحر الأحمر مصر 11 مليار دولار من قناة السويس، ودفع تراجع الاعتماد على واشنطن السعودية للبحث عن حلفاء جدد، وصعود إيران كطرف قد يكون مستعداً للاندماج في ترتيبات أمنية جديدة. وتخلق هذه الخمسة معاً بيئة قرار مختلفة تماماً عن أي وقت مضى. ومصر، في هذا السياق، لا تتحرك في نظام إقليمي مستقر، بل في نظام يتشكل من جديد. وقرار التفويض ليس مجرد استجابة لتهديد الحوثيين، بل هو محاولة مصرية للتموضع في النظام الجديد، دولة تقدم الأمن وليس فقط تتلقاه، ودولة تصنع التحالفات وليس فقط تنضم إليها، ودولة تحمي المقدسات وليس فقط تدافع عن الحدود.

وتتقاطع هذه التحولات مع أزمة القيادة في إسرائيل نفسها، حيث تستعد تل أبيب لانتخابات الكنيست في 27 أكتوبر 2026، وسط تعادل حاد بين معسكر نتنياهو ومعسكر المعارضة عند 52 مقعداً لكل منهما، ورفض الأحزاب الصهيونية الاستناد إلى الأحزاب العربية، وصعود قوى يمينية متطرفة لا يمكن تجاهلها. وإذا كان السيناريو الأكثر ترجيحاً هو حكومة الوحدة الوطنية الواسعة، فإن هذه الحكومة ستكون أكثر تشدداً تجاه القضية الفلسطينية، مما يعني أن مصر ستواجه في الأشهر المقبلة حكومة إسرائيلية أقل مرونة، وأكثر ميلاً إلى فرض وقائع جديدة على الأرض. ويضيف هذا طبقة أخرى من التعقيد إلى قرار التفويض السعودي، فمصر، في الوقت الذي تضع فيه إطاراً للدفاع عن الخليج، تجد نفسها أيضاً أمام حكومة إسرائيلية قد تكون أكثر تشدداً، مما يجعل التلويح بالتدخل العسكري في الخليج جزءاً من استراتيجية أوسع للتموضع الإقليمي، وليس مجرد استجابة لتهديد الحوثيين.

ويشابك هذا كله مع تطور لافت لم يكن في الحسبان، ففي الوقت الذي أعلن فيه السيسي استعداد مصر للدفاع عن السعودية، وطلب تفويضاً برلمانياً مسبقاً، عقد مجلس الدفاع الوطني اجتماعاً طارئاً يوم الأحد 18 أكتوبر 2026 برئاسة السيسي، وقرر الوقوف التام والتضامن الكامل مع السعودية، وتقديم كافة أشكال الدعم اللازمة والممكنة للمملكة للدفاع عن أمنها واستقرارها وصون مقدراتها وسلامة أراضيها والمقدسات الإسلامية، مع مواصلة وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية المبذولة، بالتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية، بما يسهم في خفض التصعيد في الإقليم برمته وتسوية الأزمات التي تشهدها المنطقة سلمياً. وهذا القرار يكشف عن ثلاثة مستويات من الدلالة، أولها أن الدعم المصري ليس مفتوحاً بل مشروط بالدفاع وليس الهجوم، وثانيها أن مصر لا تريد أن يكون الدعم العسكري بديلاً عن الحل السياسي بل مصاحباً له، وثالثها أن مصر تريد أن تكون جزءاً من أي ترتيبات إقليمية لخفض التصعيد وليس مجرد طرف عسكري يُستخدم لتحقيق أهداف الآخرين.

وفي الوقت نفسه، عقد مجلس النواب جلسته الطارئة السرية يوم الأحد 18 أكتوبر 2026، بدعوة من الرئيس السيسي، وفقاً للمادة 152 من الدستور والمادة 130 من اللائحة الداخلية، التي تنص على أن موافقة المجلس تكون بأغلبية ثلثي الأعضاء، وأن يتم التصويت خلال جلسة سرية عاجلة. لكن المجلس رفع جلسته إلى يوم الإثنين لاستكمال المناقشات، دون أن يحسم قراره بعد، لإتاحة المجال أمام مزيد من النواب لإبداء آرائهم. وهذا يعني أن الوضع الدقيق ليس تأجيلاً للتصويت بالمعنى الذي يفيد تأخير الجلسة أو تعليقها، بل هو استمرار للمداولات في إطار الجلسة نفسها التي رُفعت لتعود. وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه، فالقادة المصريون يفضلون التحكم في إيقاع القرار على الاندفاع، ويريدون أن تمر القرارات عبر مؤسسات الدولة، لا أن تكون قرارات فردية.

لكن هذا التريث يحمل أيضاً دلالة أخرى، فمصر لا تريد أن تُجر إلى حرب بالوكالة، ولا تريد أن تمنح إسرائيل ذريعة للتدخل في الخليج تحت دعوى حماية السعودية من الحوثيين، خاصة بعد تصريحات ترامب التي اعتبرت إسرائيل مفيدة جداً للسعودية، وألمحت إلى أن التطبيع أقرب من أي وقت مضى. ففي السابع عشر من أكتوبر 2026، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن السعودية قد تقبل مساعدة إسرائيل في مواجهة هجمات الحوثيين، مضيفاً أن إسرائيل كانت مفيدة جداً للسعودية، وأن التطبيع السعودي الإسرائيلي أقرب من أي وقت مضى. هذا التصريح ليس مجرد حديث انتخابي عابر، بل هو رسالة سياسية مزدوجة، إذ يريد ترامب من جهة أن يُظهر أن إسرائيل ليست عبئاً على المنطقة، بل هي شريك أمني يمكن أن يساعد العرب في مواجهة التهديدات الإيرانية، ويريد من جهة أخرى أن يربط بين الحاجة الأمنية للسعودية، مواجهة الحوثيين، وبين التطبيع مع إسرائيل، وكأنه يقول للرياض إن المساعدة لها ثمن سياسي.

وهنا أطرح على حضراتكم السؤال الذي يفرض نفسه حول ما إذا كانت المساعدة الأمنية قادرة على التحول إلى أداة ضغط للتطبيع. وإذا كانت السعودية تحتاج إلى دعم عسكري لمواجهة الحوثيين، وإذا كانت إسرائيل مستعدة لتقديم هذا الدعم، فإن الرياض قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة، إما أن تقبل المساعدة الإسرائيلية، وبالتالي تقترب من التطبيع، أو أن ترفضها وتتحمل وحدها تكلفة الحرب. وهذا ما يفسر لماذا يتباطأ البرلمان المصري في حسم التفويض، فمصر لا تريد أن تكون طرفاً في معادلة تُستخدم فيها المساعدة الأمنية كورقة ضغط للتطبيع، ولا تريد أن تُجر إلى حرب بالوكالة تخدم أجندة إسرائيلية.

ويتضح من تصريحات ترامب بعد آخر، فإسرائيل ليست فقط مفيدة للسعودية في مواجهة الحوثيين، بل هي أيضاً مفيدة لواشنطن في الضغط على المملكة لقبول التطبيع. ويأتي هذا في وقت تتزايد فيه الهجمات الحوثية على السعودية، حيث أعلن التحالف العسكري بقيادة السعودية اعتراض وتدمير ثلاث طائرات مسيرة في المنطقة الجنوبية والرياض، وصاروخين مجنحين فوق البحر الأحمر، وصاروخ باليستي فوق مدينة ينبع الساحلية. هذه الهجمات تضع المملكة أمام ضغط أمني حقيقي، وتجعلها بحاجة إلى دعم عسكري واستخباراتي، وهو ما قد يمنح أمريكا وإسرائيل نفوذاً أكبر في أي ترتيبات أمنية مستقبلية. لكن مصر، بهذا التريث، تريد أن تقول إنها ليست طرفاً في هذه المعادلة، فهي مستعدة للدفاع عن السعودية، لكن ليس بأي ثمن، وليس في أي توقيت، وليس لخدمة أجندة التطبيع. وهذا التريث هو في جوهره رسالة إلى واشنطن وتل أبيب بأن مصر لن تكون أداة ضغط على الرياض، ولن تسمح بأن تُستخدم مساعدتها الأمنية كورقة في لعبة التطبيع.

وهنا يتقاطع كل شيء، القيادة المصرية التي تفضل التحوط، والبيئة الإقليمية المضطربة، والضغوط الأمريكية والإسرائيلية للتطبيع، والحاجة السعودية إلى دعم أمني، وقرار مجلس الدفاع الوطني الذي أقر الدعم السياسي، ورفع البرلمان جلسته دون حسم القرار بعد. والسؤال الذي يبقى حول ما إذا كانت مصر قادرة على الحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين دعم السعودية، ورفض التطبيع، وعدم الانجرار إلى حرب بالوكالة. والإجابة على هذا السؤال تأتي من الممارسة في الأشهر المقبلة. لكن ما يمكن قوله الآن هو أن هذا التريث هو في جوهره رسالة استراتيجية، لأن مصر تريد أن تتحكم في توقيت القرار، لا أن يتحكم فيها، وتريد أن تكون جزءاً من الحل السياسي، لا مجرد أداة في يد الآخرين. وهذا في حد ذاته رسالة مهمة، ليس فقط للسعودية والحوثيين وإيران، بل لأمريكا وإسرائيل أيضاً، لأن مصر ليست طرفاً في أي معادلة لا تخدم مصالحها ومصالح الأمن القومي العربي.

والمسافة بين التفويض والتنفيذ، وبين الإعلان والحسم، وبين قرار مجلس الدفاع الوطني وانتظار موافقة البرلمان، هي المسافة التي ستحدد ما إذا كانت مصر ستتحول فعلاً إلى فاعل أمني إقليمي، أم أن الأمر سيظل في حدود الإشارات الاستراتيجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock