
إلى المرأة التي كنتها يوما
بقلم الكاتبه دعاء وجية مقابلة
إلى التي كانت تخبئ وجعها خلف ابتسامة عابرة… وتؤجل دمعتها حتى لا يراها أحد… وتمنح الآخرين من الأعذار ما لم تمنحه يومًا لقلبها.
أكتب إليكِ الآن… بعد أن هدأت المعارك التي لم يعرف أحد أنكِ خضتها… وبعد أن أدركت أن بعض الحروب لا نخرج منها منتصرين كما تمنينا… بل نخرج منها أشخاصًا آخرين لا يشبهون الذين دخلوها.
هل تذكرين كم مرة أقنعتِ نفسكِ أن الغد سيكون أحنّ… وأن القلوب التي أوجعتكِ ستفهم يومًا… وأن ما تبقى من الصبر قادر على ترميم ما تصدّع في داخلكِ؟
كنتِ تخافين النهايات حتى رضيتِ بالبقاء في حكايات لم تعد تشبهكِ… وكنتِ تظنين أن الرحيل هزيمة… حتى اكتشفتِ أن بعض البقاء هو الخسارة الوحيدة التي لا يعوّضها الزمن.
لم يكن صبرًا يا أنا…
كان خوفًا يرتدي ثوب الحكمة… وصمتًا يحاول إنقاذ ما لم يعد قابلًا للنجاة… وروحًا تتنازل عن حقها في الراحة كي لا تتهمها الأيام بالقسوة.
وحين ضاقت بي الكلمات… لم أجد بابًا أخرج منه كل ذلك سوى الكتابة. فتحت للذاكرة نافذة… وتركت للحروف أن تقول ما عجزت عن قوله في وجوه الذين مرّوا من حياتي.
لم أكتب لأعيد أحدًا… ولم أكتب لأنتقم من ذكرى… ولم أكتب لأثبت أنني كنت على حق.
كتبت لأنني تعبت من حمل الحكاية وحدي… ولأن بعض الأوجاع حين لا تجد صوتًا تتحول إلى حياة كاملة نعيشها ونحن نظن أننا بخير.
ومن بين السطور وُلدت حكاية أسميتها «لم يكن صبرًا».
لم تكن مجرد رواية… بل كانت مواجهة هادئة مع امرأة ظلت طويلًا تؤجل نفسها حتى نسيت أن لها حقًا في الاختيار… وفي الرفض… وفي مغادرة المكان الذي يستنزف روحها.
كانت الحروف مرآتي… وكان كل سطر اعترافًا مؤجلًا… وكل صفحة خطوة صغيرة نحو امرأة لم تعد تريد أن تخسر نفسها كي تحافظ على ما تبقى من الآخرين.
واليوم… لم أعد أنتظر من الماضي أن يعتذر… ولم أعد أبحث في الوجوه عن تفسير لما حدث. فقد تعلمت أن بعض الأسئلة لا تستحق أن نقضي أعمارنا أمام أبوابها… وأن السلام لا يبدأ حين نفهم كل شيء… بل حين نتوقف عن استنزاف أنفسنا في محاولة الفهم.
إن وصلت إليكِ رسالتي يومًا… فلا تعتذري عن دموعكِ… ولا تخجلي من ضعفكِ… ولا تظني أن طيبتكِ كانت خطأ.
كل ما في الأمر أنكِ كنتِ تمنحين قلبكِ للجميع… وتنسين أن لكِ قلبًا يستحق أن يعود إليكِ.
أما أنا… فقد عدت.
لا كما كنت… ولا كما أرادني الآخرون… بل كما اخترت أن أكون بعد أن نزعت عن عيني غشاوة الأوهام… وتعلمت أن أرى الطريق الذي ظل أمامي طويلًا دون أن أجرؤ على سلوكه.
لم أعد تلك المرأة التي تقيس قيمتها بقدرتها على الاحتمال… ولا التي تعتذر عن حاجتها إلى الراحة… ولا التي تظن أن عليها أن تنقذ الجميع حتى لو غرقت وحدها.
لقد فهمت أخيرًا أن النجاة لا تعني أن نخرج من الحكاية بلا ندوب… بل أن نتوقف عن السماح لندوبنا بأن تكتب بقية أعمارنا.
ولم أكتب على رسالتي اسم أحد… لأنني أدركت متأخرة أن الشخص الذي انتظر طويلًا أن يفهمه الآخرون… كان أكثر من يحتاج إلى أن يفهم نفسه.
ولأن بعض الرسائل لا تصل إلى أصحابها إلا حين نكف عن إرسالها إلى الماضي… ونبدأ بقراءتها أمام المرآة.



