
التصدع الداخلي في إسرائيل: قراءة في أبعاد الانقسام وتداعياته
بقلم كريم هانى عبدالغفار
تعيش إسرائيل في هذه المرحلة حالة موسومة بالتصدع الداخلي من حيث الوحدة والشعب على ما عرفته في عقودها السابقة من التاريخ. فبين انقسام اثني قديم تعود جذوره إلى النشأة، وخلاف ديني – علماني يتجدد كل بضع سنوات على ما يدور حول قانون التجديد، وصراع سياسي محتدم قبيل استحقاق انتخابي مبكر، مما يجعل الساحة الداخلية الإسرائيلية تكون أقرب إلى لوحة من التناقضات الموصوفة بكونها تناقضات “متراكبة” أكثر من كونها كتلة اجتماعية وسياسية متماسكة.
إن المجتمع الإسرائيلي لم يخلو منذ تأسيسه من الفجوة الإثنية بين اليهود القادمين ذوي الأصول الأوروبية (يهود الأشكناز) ونظرائهم من الأصول الشرقية والشمال الإفريقية (يهود السفارديم والمزراحيم)، بل الإضافة إلى موجات الهجرة اليهودية الإثيوبية المعروف ب( الفلاشا). فقد جرى إنشاء أساس الدولة على استقدام مهاجرين من خلفيات ثقافية ودينية ولغوية متباينة، متجنبة وجود أية روابط إثنية أو تاريخية مشتركة تجمعهم، وذلك أسفر عن وجود فوارق طبقية وتفاوتًا في الفرص الاقتصادية والتعليمية استمر أثره حتى يومنا هذا، موصوفًا بأنه أحد الهواجس البنيوية التي تقلق مخططي السياسة الإسرائيلية.
في الأشهر الأخيرة حدث تصاعد كبير نتيجة أزمة تجنيد اليهود المتشددين دينيًا (الحريديم)، وذلك بعد قرار المحكمة العليا الإسرائيلية، ونص هذا القرار على إل إلزامهم بالخدمة العسكرية، وقيد الدعم المالي عن تلك المؤسسات الدينية التي يتهرب طلابها من الجيش. وشهدت مدن مثل القدس وتل أبيب وصفد وبيت شيمش، مظاهرات حاشدة شارك فيها عشرات الآلاف، تخللتها مواجهات مع الشرطة واعتقالات، ومن ناحية أخرى هددت أحزاب (شاس) و(يهدوت هتوراه) بإسقاط الحكومة إذا لم يُقر قانون ينص على إعفاء طلاب المعاهد الدينية من التجنيد الإجباري. وبالفعل أقر الكنيست تشريعًا يجمد اعتقال المتهربين حتى ما بعد موعد الانتخابات، إلا أن المحكمة العليا سارعت إلى تجميد تنفيذه، وفي مؤشر على أن الأزمة تتعدى حدود ملف عسكري تقني لتلامس جوهر العلاقة ما بين الدولة الدينية والدولة العلمانية.
ويرى قائد الأركان السابق أن الجيش يعاني نقصًا في القوى البشرية حيث يقارب هذا النقص حوالي خمسة عشر ألف جندي، في ظل استمرار العمليات العسكرية على عدة جبهات، وأشار إلى أنه إذا استمر ذلك الوضع بخصوص ملف التجنيد، فإن ذلك يمثل عاملاً ضاغطًا على تماسك المؤسسة العسكرية ذاتها، لا على الائتلاف الحاكم وحده.
حدد السابع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر 2026، موعدًا للانتخابات العامة، في ظل ائتلاف حكومي يملك أغلبية هشه داخل الكينيست، ومعارضة تحاول التقاط أنفاسها عبر تحالف جديد بين كلاًمن: بين يئير لابيد ونفتالي بينت، وذلك بهدف طرح بديل يتسم بالجدية في مواجهة بنيامين نتنياهو. غبر أن هذا التحالف يصطدم بعقبات بنيوية عديدة، أبرزها رفضه المعلن الإعتماد على الأحزاب العربية وتوتره مع الأحزاب الحريدية، فضلاً عن عن تجربة انهيار حكومة سابقة جمعت الرجلين عام2022، وهو ما يُبقي فرص تشكيل بديل سياسي مستقر موضع تساؤل.
ووفقًا لاستطلاعات الرأي فإنها تشير إلى أن الحرب المستمرة دفعت شريحة كبيرة من الرأي العام نحو المزيد من التأييد لليمين، في وقت تحذر فيه أصوات إسرائيلية بارزة، من بينها مواقع وصحف عبرية، من أن التشريعات التي يسعى الائتلاف الحاكم إلى تمريرها تعمق من الانقسام الداخلي وتجعل هناك زيادة من حدة الاستقطاب السياسي، وتدعو هذه الأصوات نتنياهو إلى وقف ذلك المسار (التدهور) قبل أن يصل معبره عنه بوصفه ب( الهاوية).
يتقطع ذلك الاستقطاب السياسي مع تصاعد أزمة الثقة بالمؤسسات القضائية والأمنية، وتصاعد تلك الأزمة جعلت مسؤولين ومراقبين إسرئيليين أنها تعكس تحذيرات من أن التهديد الداخلي بات لايقل خطورة عن التحديات الخارجية. كما تعكسها أيضًا المواجهة المفتوحة الواقعة بين الحكومة والمحكمة العليا حول ملف التجنيد، إضافةً عليها بتصريحات المستشارة القضائية للحكومة التي شددت على ضرورة المساواة في تحمل عبء الخدمة العسكرية، في مقابل اتهامات الائتلاف الحاكم للجهاز القضائي بتجاوز صلاحياته.
إن تداعيات هذا التصدع الداخلي لا يقتصر على الداخل الإسرائيلي، في حال إشارة بعض التقارير إلى تراجع تدريجي في الغطاء الدبلوماسي الذي كانت تحظى به إسرائيل على مدار تاريخها، بما في ذلك التحول التدريجي في الخطاب الأمريكي تجاه الممارسات الإسرائيلية، مدفوعًا بضغوط تتزايد يومًا بعد يوم من الأجيال الشابة مع التحولات داخل الحزب الديموقراطي. وهنا يرى بعض الباحثين أن هذا التآكل في الشرعية الخارجية يتغذى جزئيًا في الانقسام الداخلي ذاتها، بما تعكس من هشاشة في كيان الدولة وتماسكها المجتمعي.
ختامًا، نجد أنه في المحصلة، تتقاطع في المشهد الإسرائيلي الراهن خطوط انقسام متعددة:
- إثنية واجتماعية موروث.
- انقسامات دينية وعلمانية متجددة حول ملف التجنيد.
- سياسة حادة قبيل استحقاق انتخابي مبكر.
- أزمة ثقة المؤسسات.
- الضغوط الخارجية المتصاعدة.
وهي خطوط ، وإن اختلفت في جذورها وتوقيتها، فإنها تتشابك اليوم لترسم صورة داخلية أكثر هشاشة وتعقيدًا مما كانت عليه في مراحل سابقة.



