
إسرائيل وترامب.. حكاية حصان تخلى عنه راكبه الأوروبي
بقلم: وداد العربي
تتفاقم الخلافات بين إسرائيل وأوروبا منذ سنوات، لكنها بلغت ذروتها في الملف الإيراني، وتحديداً حول كيفية التعامل مع مضيق هرمز. فبينما ترى أوروبا أن الأمن يُبنى عبر التحالفات متعددة الأطراف والالتزام بالقانون الدولي، تصر إسرائيل على أن القوة العسكرية وحدها هي من تخلق الحقائق على الأرض. هذا التصادم في الرؤى ليس مجرد خلاف أكاديمي، بل خلاف له تداعيات خطيرة على مستقبل العلاقات عبر الأطلسي، وعلى موقع إسرائيل نفسه في نظام عالمي يتغير بسرعة.
الفجوة الأيديولوجية – القانون مقابل القوة
يعكس التعامل مع مضيق هرمز أكثر من مجرد خلاف تكتيكي عابر؛ إنه مرآة صافية لفجوة بنيوية عميقة بين النظرية الأمنية الأوروبية ونظيرتها الإسرائيلية. فبينما تصر تل أبيب على أن القوة العسكرية وحدها هي التي تصنع الحقائق وتحقق الردع، تختلف أوروبا بشكل جذري في منهجها. فالأوروبيون، الذين استخلصوا دروساً قاسية من حروبهم المتكررة على مدى قرنين، بنوا كيانهم السياسي بالكامل على فكرة أن إخضاع العلاقات الدولية لقواعد ومؤسسات مشتركة هو الضمان الوحيد لعدم العودة إلى دوامة العنف والدمار. لذلك، حين يصف البعض في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التحرك الأوروبي في مضيق هرمز بأنه “ضعيف” أو “متأخر” أو “مجرد ديكور إعلامي”، فإنهم يثبتون عمى استراتيجياً واضحاً. فما يُقرأ إسرائيلياً باعتباره “تردداً” هو في حقيقته إصرار أوروبي على التمسك بمبدأ أن القانون يمكنه ضبط الفوضى، حتى وإن تطلب ذلك تحمل مسؤولية الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
أزمة الثقة – ترامب وإحراق الجسور مع أوروبا
ليس من قبيل المصادفة أن يتزامن التصعيد في مضيق هرمز مع أسوأ أزمة تشهدها العلاقات الأمريكية-الأوروبية منذ نهاية الحرب الباردة. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يكتفِ بتهديد أوروبا في قضايا عدة، بل أسهم في إضعاف الثقة داخل حلف شمال الأطلسي، محولاً إياه من تحالف قائم على القيم إلى ساحة ضغط سياسي. والأخطر أنه دفع أوروبا إلى تسريع خطوات ما يُعرف بـ”الاستقلالية الاستراتيجية”، أي امتلاك القدرة على التحرك العسكري والأمني دون الاعتماد الكامل على واشنطن. هذا التصدع يضع إسرائيل في موقف بالغ الحساسية، حيث تراهن على دعم أمريكي لا يحظى بالقبول نفسه داخل أوروبا، ما يوسع فجوة الثقة بينها وبين العواصم الأوروبية.
مكاسب إيران والخاسر الأكبر
في مفارقة لافتة، قد لا يكون التصعيد في صالح إسرائيل كما تتصور. فرفض أي دور أوروبي في ترتيبات الأمن البحري يدفع أوروبا إلى مزيد من الحذر، ويحد من فرص المواجهة المباشرة مع إيران. كما أن تركيز واشنطن وتل أبيب على هذا الملف يصرف الانتباه عن أولويات أوروبية ملحة، مثل الحرب في أوكرانيا، وهو ما قد يمنح أطرافاً أخرى مساحة أكبر للمناورة. وفي هذا السياق، تحاول أوروبا صياغة ما يمكن تسميته بـ”الطريق الثالث”، عبر تحالفات محدودة تهدف إلى تأمين الملاحة دون الانزلاق إلى حرب واسعة، في محاولة للحفاظ على التوازن بين الردع وتجنب التصعيد.
اختبار هرمز ومستقبل إسرائيل في أوروبا
يمثل مضيق هرمز اختباراً حقيقياً لقدرة أوروبا على التحرك بشكل مستقل، وفي الوقت نفسه اختباراً لإسرائيل في فهم طبيعة النظام الدولي الجديد. فإذا نجحت المبادرات الأوروبية، حتى جزئياً، فستبعث برسالة واضحة مفادها أن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لفرض الوقائع. ومن زاوية أوسع، فإن نجاح هذا النهج يعزز فكرة أن القانون الدولي ما زال أداة فاعلة في إدارة الصراعات، وهو ما يهم المنطقة العربية التي تتابع هذه التحولات عن كثب.
في النهاية، لا يعكس ما يجري في مضيق هرمز مجرد خلاف عابر، بل يكشف عن تحولات عميقة في موازين القوى والرؤى الدولية. فالعالم يتجه تدريجياً نحو التعددية، حيث لم تعد القوة وحدها كافية لضمان النفوذ والاستقرار. وبينما تراهن بعض الأطراف على الحسم العسكري، تظل هناك قوى تسعى لإبقاء القانون الدولي إطاراً حاكماً للعلاقات بين الدول. وفي هذا التوازن الدقيق، تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد تعيد تعريف مفاهيم القوة والشرعية في النظام العالمي.


