أقلام حره

الشفرة 4: الدفتر الصغير المُقفل.. الذي قتل 4 مليون جنيه

 

المشهد:
في مصنع تعبئة مواد غذائية في مدينة السادات، طلب مني صاحب المصنع أن أراجع حساباته لأنه يشعر أن “الفلوس لا تكفي رغم البيع”. دخلت مكتبه. مكتب فخم، خزنة حديدية كبيرة مقفولة بجانب المكتب. سألته عن المفتاح، قال “دي خزنة خاصة”. أصررت على فتحها. فتحها بتردد. وجدنا داخلها دفترا صغيرا، دفتر 100 ورقة من النوع الرخيص، مكتوب على غلافه بخط يده “ديون معدومة – لا تخبر المحاسب – سري جدا”.

فتحنا الدفتر. 127 اسم تاجر وموزع من جميع أنحاء مصر. من أسوان إلى إسكندرية. كل اسم بجانبه مبلغ وتاريخ. الإجمالي 4.1 مليون جنيه. صاحب المصنع كان يكتب كل دين لا يستطيع تحصيله بخط يده، ويشطب عليه بعلامة X، ويضعه في الخزنة، ويدفع المبلغ من جيبه الخاص أو من أرباح المصنع لكي لا يعرف المحاسب ولا الشركاء.

كان يستحي أن يقول أنه نصب عليه. كان يظن أن الاعتراف بالخسارة عيب. فقرر أن يخفيها ويدفعها هو. لمدة 3 سنوات، كان يخسر 4 مليون وهو يبتسم أمام الموظفين ويقول “الحمد لله كله تمام”.

وعندما واجهته، قال جملة لا أنساها: “يا دكتور أنا لو قلت للمحاسب أن فلان نصب عليا بـ 50 ألف، هيقول عليا أنا مغفل”. فقرر أن يكون مغفلا بصمت ويدفع 4 مليون من جيبه.

الخدعة – ثقافة إخفاء الخسارة:
في ثقافتنا التجارية في مصر، التاجر الشاطر هو من لا يخسر أبدا. ومن يخسر هو تاجر فاشل. هذه ثقافة قاتلة.

أغلب التجار لا يعلنون الخسارة. يخبئونها. يضعونها في دفتر صغير مقفل، أو في ملف إكسيل مخفي، أو في ذاكرتهم. ويستمرون يبيعون لنفس النصابين أملا في تعويض الخسارة القديمة ببيع جديد. فيخسرون ضعفها.

التاجر الذي نصب عليه تاجر في 50 ألف، يذهب إليه مرة أخرى ويبيعه بـ 100 ألف آجل، أملا في أن يدفع القديم والجديد. فيخسر 150 ألف. هذا مثل من لدغه ثعبان في حفرة، فيضع يده مرة أخرى في نفس الحفرة لكي يمسك الثعبان.

الديون المعدومة مثل السرطان. إذا لم تعلن عنها وتستأصلها فورا، ستنتشر وتأكل كل جسم شركتك وأنت لا تشعر.

مرآة البيت:
اشتريت موبايل بـ 15 ألف جنيه من محل، وطلع مضروب وفيه عيب صناعة. بدلا من أن تذهب وتتخانق وترجعه وتتعلم الدرس ولا تدخل هذا المحل مرة أخرى، ماذا تفعل؟ تذهب لنفس المحل تشتري منه جراب بـ 500 جنيه وسكرينة بـ 300 جنيه وشاحن بـ 700 جنيه “عشان تحافظ على الموبايل”.

أنت الآن دفعت 1500 جنيه إضافية لنفس النصاب الذي باع لك موبايل مضروب، أملا في تعويض خسارتك. أنت تدفع ثمن غلطتك مرتين، وتكافئ من غشك.

هذا بالضبط ما تفعله في شركتك. تبيع لنفس العميل الذي لم يدفعك، أملا في تعويض القديم.

فك الشفرة – ماذا تفعل غدا الصباح؟

مشرحة الديون الأسبوعية: كل يوم خميس الساعة 4 عصرا، اجلس 30 دقيقة وحدك. افتح كشف العملاء. اكتب 3 ديون ماتت هذا الأسبوع أو هذا الشهر. اكتب اسم العميل، المبلغ، ولماذا لم يدفع. هل هو نصاب؟ هل بضاعتك سيئة؟ هل أنت من أهمل التحصيل؟ لا تخبئ. واجه نفسك.

قانون الدفن الفوري: أي دين مر عليه أكثر من 180 يوم ولم يدفع رغم المطالبات، اعتبره مات وشبع موت. احذفه من حساباتك النفسية ومن توقعاتك. لا تنتظر. اتخذ إجراء قانوني فورا (إنذار، محضر، دعوى)، وفي نفس الوقت أوقف البيع لهذا العميل نهائيا، ولا تبيعه حتى كاش لمدة سنة. من نصب عليك مرة، سينصب عليك ألف مرة.

صندوق الشجاعة: من اليوم، خصص 5% من كل مبلغ تحصله من العملاء، وضعه في ظرف أو حساب منفصل اسمه “صندوق الديون المعدومة”. هذا الصندوق هو لتعويض الخسائر التي ستحدث حتما. عندما تخسر 50 ألف، لا تنهار، لأن عندك صندوق يغطيها. التاجر المحترف يتوقع الخسارة ويستعد لها، والهاوي يخبئها حتى يغرق.

جرس الإنذار:
إذا كان عندك دفتر أو ملف إكسيل أو حتى ورقة صغيرة اسمها “عملاء متعثرون” أو “ديون مشكوك فيها” يزيد إجماليها عن 10% من رأس مالك العامل، فأنت تنزف نزيفا داخليا خطيرا، وترفض أن تضع لاصق جرح لأنك تستحي من الدم.

ارسل كلمة “شفرة” للتواصل
نلتقي في العدد القادم.
د. صلاح الديب
خبير إدارة الأزمات والتحكيم الدولي في مصر والوطن العربي
مؤسس مكتب خطوات الإنقاذ
الإيميل: Dr.salah.aldep@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock