تبكير العام الدراسي 2027.. بين أهداف الانضباط وعقبات التطبيق والرفض المجتمعي
بقلم سماح محروس
لا يختلف اثنان على أهمية القرارات التعليمية التي تستهدف إعادة الانضباط إلى المدارس، وتشجيع الطلاب على الحضور المنتظم، وتحقيق أكبر استفادة ممكنة من العام الدراسي من خلال محتوى تعليمي جاد ومنظومة قائمة على الالتزام والتقييم الحقيقي داخل المدرسة.
ومن هذا المنطلق، فإن الهدف المعلن من تبكير بداية العام الدراسي إلى 12 سبتمبر، والمتمثل في زيادة أيام الدراسة وتعزيز الالتزام بالحضور، قد يبدو إيجابيًا من حيث المبدأ. إلا أن الاعتراض الذي يطرحه عدد ملحوظ من أولياء الأمور والرأي العام لا ينصب على فكرة الانضباط ذاتها، وإنما على مدى جاهزية المنظومة التعليمية والمجتمع لتطبيق القرار، وعلى ما قد يترتب عليه من أعباء اقتصادية واجتماعية ونفسية.
وبصفتي ولية أمر لأبناء في مراحل تعليمية مختلفة، فإن السؤال الأهم ليس: لماذا نبدأ الدراسة مبكرًا؟ بل: هل توافرت بالفعل كل المقومات التي تضمن نجاح هذا التبكير وتحويله إلى قيمة تعليمية حقيقية؟
فهل تحققت وزارة التربية والتعليم بصورة فعلية من جاهزية المدارس واستكمال احتياجاتها من المعلمين، وعلاج مشكلة العجز التي تعاني منها مدارس عديدة؟
وهل جرى التأكد من وجود عدد كافٍ من الفصول بما يسمح بخفض الكثافات، بدلًا من تكدس الطلاب داخل بعض الفصول بما يتجاوز قدرتها الاستيعابية، الأمر الذي قد يجعل زيادة أيام الحضور مجرد زيادة في عدد الأيام دون تحسن حقيقي في جودة العملية التعليمية؟
ثم يأتي ملف الدروس الخصوصية والسناتر التعليمية، وهو أحد أهم التحديات التي يجب أن تسبق أي حديث عن إلزام الطالب بالحضور المدرسي.
فلا يمكن أن نطالب الطالب بالانتظام الكامل داخل المدرسة، في الوقت الذي يشعر فيه جزء من الأسر أن الشرح الحقيقي أو الأكثر اهتمامًا يُقدَّم خارجها بمقابل مادي. ومع الإقرار بأن بين المعلمين نماذج محترمة تؤدي رسالتها بكل أمانة، فإن وجود ممارسات سلبية لا يمكن إنكاره.
ومن هنا، فإن نجاح قرار الحضور والانضباط يحتاج إلى رقابة حقيقية، وتحسين جودة الشرح داخل الفصول، ومحاسبة أي تقصير مهني، إلى جانب تنظيم ومواجهة ظاهرة الدروس الخصوصية بما يعيد للمدرسة دورها الأساسي.
فالانضباط المدرسي لا ينبغي أن يتحول إلى «حضور شكلي»، بل يجب أن يقترن باستفادة تعليمية حقيقية يشعر بها الطالب وولي الأمر.
الأعباء الاقتصادية للأسر
أما الجانب الآخر الذي لا يمكن تجاهله فهو مدى استعداد أولياء الأمور، خاصة محدودي الدخل والفئات الأكثر احتياجًا، لتحمل بداية مبكرة للعام الدراسي.
فالأسرة المصرية مطالبة مع بداية كل عام دراسي بتوفير الملابس والأدوات والكتب والمواصلات والطعام، فضلًا عن تكاليف الدروس والسناتر التي أصبحت واقعًا اقتصاديًا ضاغطًا لدى كثير من الأسر.
وفي ظل التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة، كان من الضروري أن تسبق مثل هذه القرارات دراسة واضحة لقدرة الأسر على الاستعداد المالي لها، خاصة إذا كان التبكير مفاجئًا أو يقلص الفترة التي اعتادت الأسر الاعتماد عليها لترتيب أوضاعها.
كما أن بدء الدراسة مبكرًا يعني بصورة طبيعية زيادة مبكرة في الضغط على المواصلات والمرافق والخدمات، وهي جميعًا أمور تستحق أن تدخل ضمن أي دراسة متكاملة للقرار.
ماذا عن الحالة النفسية للطلاب؟
ولا تقل الجاهزية النفسية أهمية عن الجاهزية المادية.
فالطلاب وأولياء الأمور يخرجون من عام دراسي طويل ومليء بالضغوط والامتحانات والقلق، وخاصة أسر طلاب الثانوية العامة الذين يعيشون حالة ممتدة من التوتر حتى إعلان النتائج والتنسيق والالتحاق بالجامعات.
ومن ثم، فإن تقليص فترة الإجازة يحتاج إلى تقييم تربوي ونفسي واضح: هل حصل الطالب بالفعل على الوقت الكافي للراحة واستعادة نشاطه؟ وهل بداية الدراسة في موعد مبكر ستدعم تحصيله، أم قد تؤدي لدى بعض الطلاب إلى مزيد من الإرهاق وفقدان الدافعية؟
فالعملية التعليمية ليست مجرد عدد أيام، وإنما قدرة نفسية وعقلية على التعلم والاستيعاب.
وتأثير محتمل على السياحة الداخلية
ومن الجوانب التي تستحق الدراسة كذلك تأثير تبكير الدراسة على موسم السياحة الداخلية.
فهناك مناطق ومدن وأسر تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على موسم الإجازات الصيفية كمصدر للدخل. وإنهاء الإجازة في وقت أبكر قد ينعكس على نسب الإشغال والحركة السياحية والأنشطة المرتبطة بها.
ولا يعني ذلك تقديم الاعتبارات السياحية على التعليم، وإنما يؤكد ضرورة أن يكون القرار العام قائمًا على دراسة شاملة لتأثيراته التعليمية والاجتماعية والاقتصادية.
المطلوب حوار مجتمعي لا صدام
من حق الدولة أن تتخذ ما تراه من قرارات لتطوير التعليم، ومن حق وزارة التربية والتعليم أن تسعى إلى إعادة الانضباط وتعظيم الاستفادة من العام الدراسي.
وفي المقابل، فإن من حق أولياء الأمور والطلاب والرأي العام كذلك مناقشة هذه القرارات، وإبداء مخاوفهم، والمطالبة بتوضيح الأسس التي بُنيت عليها.
فالنقد الموضوعي ليس رفضًا للتطوير، والاستماع إلى المواطنين لا ينتقص من هيبة القرار، بل يرفع من فرص نجاحه.
ولذلك، فإن المطالبة بمراجعة موعد بدء الدراسة أو تأجيله إلى موعد يحقق جاهزية أكبر للأسر والمدارس تستحق الدراسة والاستماع، سواء انتهت الوزارة إلى الإبقاء على الموعد أو تعديله.
الأهم أن يعرف المواطن أن هناك حوارًا مجتمعيًا حقيقيًا، وأن المخاوف والأسئلة التي يطرحها أولياء الأمور تصل إلى المسؤول ويتم الرد عليها بالبيانات والدراسات، لا بمجرد الإصرار على القرار.
نريد منظومة تعليمية تقوم على الانضباط، ولكن أيضًا على الجودة والشفافية والاستماع إلى المجتمع.
ونريد مدرسة تستعيد مكانتها في عيون الطالب وولي الأمر، لا أن يصبح الحضور فيها مجرد التزام إداري.
فإصلاح التعليم لا يصنعه القرار وحده، وإنما تصنعه جاهزية المدارس، وكفاءة المعلم، وعدالة الفرص، والرقابة، والحوار المجتمعي، ومراعاة الظروف الاقتصادية والنفسية للأسر.
وحين تجتمع هذه العناصر، يصبح الالتزام بالدراسة قيمة حقيقية، وتتحول القرارات من عبء يثير الاعتراض إلى خطوة يشعر المجتمع بأنه شريك في نجاحها.
حفظ الله مصر، ووفق أبناءها ومسؤوليها لكل ما يحقق الصالح العام، ويبني منظومة تعليمية أفضل وأكثر عدلًا وكفاءة لأجيال المستقبل



