أقلام حره

بين التهديد والانفجار.. هل يسحب نتنياهو ترامب إلى مستنقع إيراني؟

بقلم محمود سيد محمد
الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.

مع بداية الأسبوع الجاري، تصاعدت وتيرة التسريبات الأمريكية حول خيارات عسكرية واسعة ضد إيران، في مشهد يذكّر بلحظات ما قبل حرب العراق 2003، لكن هذه المرة تظهر حسابات مختلفة تمامًا. فخلال أيام قليلة، تسللت إلى وسائل الإعلام تفاصيل دقيقة عن استهداف محتمل لمنشآت الطاقة والبنية التحتية الإيرانية، تزامنت مع اجتماعات مغلقة في البنتاغون وزيارة مكثفة للمسؤولين الإسرائيليين إلى واشنطن.

حتى أن موقع “أكسيوس” الأمريكي نقل عن مسؤولين في الإدارة قولهم إن فريق ترامب ناقش سيناريوهات تتراوح بين ضربة محدودة وحملة جوية واسعة تستمر أياماً. لكن اللافت أن هذه التفاصيل لم تبقَ سرية، بل تسربت وكأن أحداً يريد أن يقرع جرس الإنذار قبل إطلاق أي صاروخ.

وهنا يبرز السؤال المحرج: لماذا تعلن عن ضربتك قبل تنفيذها؟

الجواب، كما يراه المحللون في واشنطن، أن الإدارة الأمريكية تريد إرسال رسالة واضحة إلى طهران: “نحن جاهزون، لكن الباب مفتوح”. وهي في الوقت نفسه تخاطب الأسواق العالمية، وتحاول امتصاص صدمة ارتفاع النفط مسبقاً، وتطمئن حلفاءها في الخليج بأن واشنطن تدرك حجم الكارثة المحتملة. بعبارة أخرى، الحرب الحديثة لم تعد تبدأ بقصف الطائرات فقط، بل بمحاولة تغيير حسابات الخصم قبل إطلاق أي صاروخ.

لكن تظل معضلة ترامب الأكبر، وهي ليست جديدة. الرئيس الأمريكي يريد أن يظهر بمظهر القوي القادر على فرض الإرادة، وفي الوقت نفسه يريد تجنب حرب استنزاف تأكل شعبيته قبل انتخابات الرئاسة المقبلة. ضربة قوية قد تمنحه انتصاراً سريعاً في استطلاعات الرأي، لكن اليوم التالي للضربة مختلف تماماً. فالسؤال الحقيقي ليس “هل تستطيع أمريكا ضرب إيران؟” بل “هل تستطيع التحكم بما سيحدث بعد الضربة؟”

وهنا يتدخل العامل الإسرائيلي. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يواجه ضغوطاً داخلية هائلة وملفات فساد تطارده، يرى في هذه اللحظة فرصة نادرة لإعادة رسم ميزان القوة في الشرق الأوسط. إسرائيل تدفع باتجاه موقف أمريكي أكثر تشدداً، وتنظر إلى أي تسوية سياسية مع طهران على أنها كارثة استراتيجية. لكن السؤال الذي يطرحه الخبراء في تل أبيب نفسها: هل يقود نتنياهو واشنطن إلى حسم تاريخي، أم إلى مستنقع جديد تبقى أمريكا عالقاً فيه لسنوات، كما حدث في أفغانستان والعراق؟

التجارب السابقة أثبتت أن البداية العسكرية سهلة، لكن نهاية الصراع هي المستحيل. وإسرائيل، رغم قدراتها الجوية المتطورة، لا تستطيع وحدها إدارة تداعيات حرب إقليمية تشعل جبهات من اليمن إلى لبنان وسوريا.

في الجانب الآخر، لا تنظر طهران إلى التهديدات الأمريكية على أنها مناورات سياسية فقط. بالنسبة للإيرانيين، الحديث عن استهداف البنية التحتية للنفط والغاز هو تهديد مباشر لقدرة النظام على البقاء. ولذلك، فإن أي هجوم واسع سيدفعهم إلى استخدام أوراقهم الأكثر تأثيراً: إغلاق مضيق هرمز ولو جزئياً، تحريك الوكلاء في العراق وسوريا، وضرب المصالح الأمريكية في قاعدة التنف أو السفن في الخليج.

الحقيقة التي تغيب عن كثير من المحللين، أن المواجهة الحالية لم تعد ثنائية بين واشنطن وطهران. هناك ثلاث إرادات تتصارع في الوقت نفسه: أمريكا تريد ردعاً دون حرب، وإسرائيل تريد حرباً دون تداعيات، وإيران تريد أن تثبت أن كلفة الضرب ستكون أعلى مما يتخيل خصومها. وبين هؤلاء الثلاثة، تقف المنطقة العربية بلا مظلة حماية حقيقية، تدفع فاتورة النفط واللاجئين والأسواق المضطربة.

وهنا أتساءل: هل يضحي ترامب بمصالح أمريكا في الخليج فقط من أجل إرضاء نتنياهو وإلهاء الرأي العام الإسرائيلي عن ملفات الفساد الداخلية؟ يبدو الأمر مقلقاً، لكن التاريخ يعلمنا أن الرؤساء الأمريكان نادراً ما يخوضون حروباً طويلة لأجل حسابات شخصية لشركائهم.

الخلاصة القاسية التي يجب أن نكتبها بوضوح: سواء ضربت أمريكا أم لم تضرب، فإن الخاسر الأكبر سيكون الدول العربية المجاورة. أسعار النفط سترتفع، وحركة الملاحة ستتعطل، وموجات النزوح قد تعود، بينما يتبادل الفريقان في طهران وواشنطن التصفيق الإعلامي كلٌّ لقاعدته الجماهيرية.

أخطر لحظة في هذه الأزمة ليست لحظة إطلاق الصواريخ. أخطر لحظة هي اللحظة التي يعتقد فيها كل طرف أن باستطاعته السيطرة على مسار التصعيد. التاريخ، من حرب 1967 إلى غزو العراق 2003، يثبت أن الحروب الكبرى لم تبدأ بقرارات حاسمة ومدروسة، بل بدأت بخطوات صغيرة ظن أصحابها أنها محدودة ثم انزلقت إلى الهاوية.

القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس بقدرة الدولة على تدمير خصمها، بل بقدرتها على منع الفوضى التي تأتي بعد التدمير. والانتصار الحقيقي لا يُحسم عند سماع دوي الانفجار، بل في اليوم التالي، عندما تبدأ العائلات في طهران وواشنطن وتل أبيب وبغداد والرياض بدفع الفاتورة.

أما اليوم، فما زالت الطائرات في مدارجها، وما زالت الصواريخ في مخابئها، وما زال القرار النهائي عالقاً بين الرغبة في الضربة والخوف من ردتها. وفي هذا التردد تحديداً، قد تكمن الفرصة الأخيرة لتجنب جولة جديدة من العنف لا يعرف أحد أين تنتهي وهذا ما يريده نتنياهو حرب إقليمية كبرى لن تهدأ معها المنطقة ولا تستقر.
محمود سيد محمد
الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock