
مدحت الحلفاوي يكتب: بين حسن الظن ولهيب الشك
قيل له ذات يوم إن من وثق به وخبأه في أعمق زوايا قلبه لم يكن كما ظن.
وتناقلت الألسنة حكايات لم يشهدها بنفسه ولم يملك دليلا قاطعا على صدقها أو كذبها. فاهتزت داخله مسلمات كثيرة ووجد نفسه فجأة واقفا عند مفترق طرق بين ما يخبره به قلبه وما تردده الأسماع من حوله. ومن هنا تبدأ واحدة من أصعب المعارك الإنسانية.
معركة الثقة حين تحاصرها الشكوك وحسن الظن حين يطارده الخوف من الخذلان.
ما أقسى أن يجد الإنسان نفسه واقفا بين صوتين متناقضين. صوت القلب الذي يثق ويحب ويصدق وصوت الناس الذي يزرع الشكوك ويهز اليقين.
وهنا تبدأ رحلة المعاناة الحقيقية حيث يصبح المرء عاجزا عن التمييز بين الحقيقة والظنون فيعيش صراعا مريرا بين ما يشعر به وما يسمعه.
في بعض العلاقات الإنسانية يبلغ الارتباط حدا يجعل الشك في الآخر شكا في النفس ذاتها.
فحين يصبح شخص ما جزءا من وجدانا وذاكرتنا وأحلامنا فإن مجرد التفكير في خيانته يبدو أمرا مستحيلا.
لذلك يقول القلب دائما ما لا تقوله الوقائع وما لا تصدقه الألسنة. فالحب بطبيعته يميل إلى التماس الأعذار والتمسك بالأمل حتى في أصعب اللحظات.
لكن الناس لا يكفون عن الحديث. تتردد الكلمات وتنتشر الروايات وتكثر التأويلات حتى يجد الإنسان نفسه محاصرا بأسئلة لا تنتهي.
هل ما يقال صحيح أم أنه مجرد أوهام. هل أخطأت في تقدير من أحببت أم أن الآخرين لم يفهموا حقيقة الأمر. وهكذا يتحول الشك إلى ضيف ثقيل يسلب الراحة ويعكر صفو الأيام.
ومع ذلك يبقى حسن الظن من أجمل الصفات الإنسانية وأرقاها. فهو يعكس نقاء القلب وسلامة النية والثقة في الخير الكامن داخل النفوس.
غير أن حسن الظن حين لا يجد ما يدعمه من وضوح وصدق قد يتحول إلى مصدر للألم والمعاناة. فالإنسان لا يتعذب دائما بسبب الحقيقة بل كثيرا ما يتعذب بسبب جهله بها وانتظاره لها.
إن أخطر ما في الشك أنه يستهلك الروح ببطء. فلا هو يترك الإنسان مطمئنا ولا يمنحه يقينا يحسم أمره.
فيظل معلقا بين الأمل والخوف وبين التصديق والتكذيب حتى تصبح نفسه ساحة معركة لا تهدأ.
ولهذا فإن الصراحة تبقى العلاج الوحيد لكل ظنون القلوب. فالكلمة الصادقة قادرة على إنهاء سنوات من الحيرة وإطفاء نار الشك التي قد تحرق أجمل المشاعر.
وما يحتاجه الإنسان أحيانا ليس الكثير من التبريرات بل إجابة واضحة تضع حدا للأسئلة المؤرقة.
ويبقى الدرس الأهم أن الثقة أساس كل علاقة وأن الشك إذا تسلل إلى القلوب أفسد صفوها وأرهق أصحابها. فلا شيء أثقل على النفس من انتظار الحقيقة ولا شيء أجمل من صدق يبدد الظنون ويعيد للقلوب طمأنينتها.
وفي نهاية المطاف لا ينتصر القلب دائما ولا تخسر الحقيقة دائما ولكن ما يبقى هو أثر التجربة في الروح. حين يتكاثر الشك تتعب القلوب وتضيق المسافات بين الناس حتى لو بدت قريبة. ويبقى اليقين وحده هو النجاة حين يقال الصدق بوضوح وتغلق أبواب الظنون وتسترد الأرواح سلامها الذي فقدته.
اللهم ارزقنا صفاء القلوب وحسن الظن وراحة البال وابعد عنا الشكوك والظنون واجعل بيننا وبين من نحب مودة لا تنقطع وصدقا لا يهتز.
اللهم طمئن قلوبنا بنور يقينك واهدنا لما فيه الخير والصلاح واكتب لنا راحة لا يعكرها خوف ولا حزن. آمين.


