أقلام حره

مدحت الحلفاوي يكتب: عند هدوء كل شيء فجأة

​أحيانا لا نحتاج إلى حدث كبير كي نشعر أن شيئا ما قد انتهى يكفي أن ننتبه متأخرين فقط أن نكتشف أن ما كان قريبا جدا أصبح بعيدا دون ضجيج وأن ما كنا نراه ثابتا كان يبتعد بهدوء لا يلاحظ.
​هناك علاقات لا تنكسر فجأة بل تتسرب من بين أيدينا ببطء حتى نظن أنها ما زالت موجودة بينما هي قد رحلت بالفعل.
​وفي لحظة صمت غير متوقعة نفهم أن الفقد لا يأتي دائما على هيئة غياب واضح بل أحيانا على هيئة حضور لم يعد يشبه ما كان وهنا يبدأ كل شيء في الهدوء أو في الانطفاء.
​في لحظة ما لا يحدث شيء واضح ومع ذلك يتغير كل شيء لا تسمع صوت كسر ولا ترى نهاية معلنة لكنك تكتشف أن شيئا كان مهما جدا قد أصبح خلفك دون أن تدري متى حدث ذلك.
​كنت أظن أن القرب لا يفقد بسهولة وأن ما نزرعه بالاهتمام لا يمكن أن يذبل بصمت لكن بعض الأشياء لا تموت فجأة هي فقط تتوقف عن النمو ثم تبدأ في الاختفاء بهدوء.
​لا وداع حقيقي ولا جملة أخيرة تغلق الباب فقط مسافة بدأت تكبر دون أن نلاحظ وكلام صار أقل واهتمام صار يشبه العادة أكثر من كونه شعورا.
​الغريب أن الإنسان لا يشعر بالغياب وهو يحدث بل يشعر به بعد أن ينتهي كل شيء ويجد نفسه ما زالت يتصرف كأن شيئا لم ينته بعد.
​يعود لنفس التفاصيل لنفس الرسائل القديمة لنفس اللحظات التي كانت تبدو بسيطة وقتها لكنها الآن تبدو كأنها من حياة أخرى.
​وأنا لا ألوم أحدا ليس لأنني قوي بل لأنني أدركت أن المشاعر لا تجبر ولا تحفظ بالقوة ولا تستمر فقط لأننا نريد ذلك.
​ما يؤلم ليس النهاية بل أن البداية كانت صادقة إلى هذا الحد ثم وصلت إلى هذا الشكل دون أن نفهم كيف.
​في مكان ما بين الحب والخذلان هناك منطقة صامتة لا اسم لها لا هي نسيان ولا هي ذكرى هي فقط بقاء شيء لا يكتمل ولا ينتهي.
​والآن كل ما تبقى هو هذا الهدوء الثقيل هدوء لا يشبه السلام بل يشبه الفراغ الذي يتركه شيء كان له صوت ثم اختفى.
​وأنا لا أبحث عن رجوع ولا أطلب تفسيرا لكنني فقط أفكر في سؤال واحد لا يهدأ كيف يمكن لكل هذا أن يحدث دون أن نشعر به وهو يحدث.
​وفي النهاية لا يبقى سوى هذا الإدراك المتأخر أن ما نظنه دائما لا ينجو من التغير وأن أقرب الأشياء إلينا قد تغادر دون أن نراها تغادر.
​نكتشف فقط أننا كنا نعيش داخل ما كان لا داخل ما هو كائن الآن.
​ربما لم يكن الفقد في الرحيل نفسه بل في تلك اللحظة التي استمررنا فيها بالتصديق أن شيئا لم يتغير.
​ذلك الوهم الصامت هو ما ينهك القلب لا النهاية.
​ومع ذلك نمضي.
​لا لأننا تجاوزنا بل لأنية الحياة لا تمنح خيارا آخر ولأن بعض الأسئلة لا إجابة لها مهما طالت محاولات الفهم.
​ويبقى في الداخل شيء لا يهدأ ليس حزنا كاملا ولا نسيانا تاما بل أثر لشخص لم يعد موجودا لكنه لم يغادر تماما.
​وربما أصعب ما في بعض العلاقات أنها تنتهي قبل أن نعترف بانتهائها.
​اللهم اجعل قلوبنا لا تتعلق إلا بما هو خير لها واجبر كسرنا حين لا نجد جبرا من أحد وخفف عنا ما لا نستطيع البوح به وابعد عنا ما يرهق أرواحنا بصمت وامنحنا يقينا يجعلنا نمضي دون أن ننكسر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock