خصخصة الوعي… حين أصبحت العقول ساحة الصراع الجديدة
بقلم / د.نهال الشافعي
الباحث فى الشئون السياسية والاستراتيجية
قد تُحتل الحدود بالقوة، لكن العقول لا تُحتل إلا عندما تتخلى عن حقها في السؤال. فالدول لا تخسر دائمًا عندما تُهزم في معركة عسكرية، بل قد تبدأ خسارتها الحقيقية عندما يصبح تشكيل وعي مواطنيها خارج مؤسسات المعرفة، وخارج سلطة العلم، وخارج ميزان العقل.
لم يعد السؤال الأهم اليوم: من يملك الحقيقة؟ بل أصبح: من يملك القدرة على صناعة الرواية؟ فبين الحقيقة التي تحتاج إلى وقت لتُفهم، والرواية التي تنتشر في ثوانٍ، أصبح الرأي العام يُبنى أحيانًا على الانفعال قبل أن يُبنى على المعرفة.
لسنوات طويلة، كانت المدرسة، والجامعة، والإعلام المهني، ومراكز البحث، والمؤسسات الدينية، هي المرجع الطبيعي في تشكيل الوعي العام. لم تكن معصومة من الخطأ، لكنها كانت تعمل وفق قواعد للمساءلة والمسؤولية. أما اليوم، فقد انتقل جزء كبير من هذه السلطة إلى فضاء رقمي مفتوح، يستطيع فيه أي شخص أن يؤثر في ملايين البشر بمجرد امتلاكه منصة أو كاميرا أو قدرة على صناعة الجدل.
هذه ليست مشكلة التكنولوجيا، ولا هي دعوة للحد من حرية التعبير، بل هي ظاهرة جديدة يمكن وصفها بـ “خصخصة الوعي”؛ حيث أصبح تشكيل الرأي العام يخضع أحيانًا لمنطق الانتشار والخوارزميات أكثر مما يخضع لمنطق الخبرة والاختصاص.
ومن هنا ظهرت أزمة أخطر، يمكن تسميتها بـ “فوضى المرجعيات”.
لم تعد المشكلة أن المعلومات قليلة، بل إن مصادرها أصبحت بلا حدود، حتى اختلط صوت الخبير بصوت غير المختص. أصبح صاحب البث المباشر يناقش الطبيب، وصانع المحتوى يفسر القوانين، ويحلل الاستراتيجيات، ويصدر أحكامًا في ملفات معقدة، بينما يتراجع المتخصص إلى الخلف، وكأن المعرفة أصبحت مجرد رأي بين آراء.
إن المجتمعات لا تنهار عندما تختلف، بل عندما تضيع المرجعيات التي تحتكم إليها عند الاختلاف.
وفي هذا المناخ، نشأ ما يمكن وصفه بـ “اقتصاد الغضب”؛ حيث أصبحت الإثارة أكثر ربحًا من الدقة، والانفعال أسرع انتشارًا من الحقيقة. فكلما ارتفع منسوب الصدمة، ارتفعت نسب المشاهدة، وأصبح الجدل نفسه صناعة قائمة بذاتها، حتى باتت بعض القضايا تُدار بمنطق التريند، لا بمنطق الحلول.
ولعل الجدل الذي صاحب في الآونة الأخيرة بعض القضايا المجتمعية، ومنها ملف الكلاب الحرة، يقدم نموذجًا واضحًا لهذه الظاهرة. فالقضية في جوهرها قضية علمية وإدارية، ترتبط بالصحة العامة، وسلامة المواطنين، والرفق بالحيوان، وتحتاج إلى حلول متوازنة تستند إلى المعرفة والخبرة، وهو ما تسعى إليه الاستراتيجيات القائمة على التعقيم والتطعيم والحد من التكاثر.
لكن ما حدث في بعض المنصات والبرامج كشف كيف يمكن أن تُختطف قضية عامة من إطارها العلمي لتتحول إلى ساحة استقطاب، يتقدم فيها الانفعال على المعلومة، وتُختزل فيها قضية معقدة في مشاهد مؤثرة أو عناوين صاخبة، فيغيب النقاش الهادئ، ويتراجع صوت المختص، بينما تتشكل قناعات واسعة من خلال مقاطع قصيرة لا تقدم الصورة كاملة.
ليس المقصود هنا مصادرة حق الناس في النقاش أو النقد، فالنقد المسؤول ضرورة لتطوير أي سياسة عامة، والإعلام الحر شريك أساسي في كشف أوجه القصور وإثراء الحوار المجتمعي. لكن الحرية لا تعني أن يتساوى الرأي مع المعرفة في كل القضايا، ولا أن يصبح غير المختص مرجعًا في ملفات تتطلب خبرة علمية أو قانونية أو مهنية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس كثرة المعلومات، بل فقدان المجتمع ثقته في أهل الاختصاص. فعندما يصبح الطبيب أقل تأثيرًا من المؤثر، والباحث أقل حضورًا من صانع المحتوى، والإعلام المهني أقل قدرة على الإقناع من المحتوى المثير، فإننا لا نكون أمام أزمة إعلامية فحسب، بل أمام خلل في بنية الوعي نفسه.
ولذلك لم يعد مفهوم “الأمن المعرفي” ترفًا فكريًا، بل أصبح أحد ركائز الأمن الوطني في العصر الرقمي. فحماية المجتمع لا تقتصر على حماية الحدود أو الاقتصاد، وإنما تشمل أيضًا حماية قدرة المواطنين على التمييز بين الحقيقة والرواية، وبين النقد والتحريض، وبين المعلومة الموثقة والمحتوى الذي يُصاغ لإثارة الانفعال.
إن بناء الطرق والمصانع والمدن الجديدة يظل إنجازًا مهمًا، لكن بناء الإنسان القادر على التفكير النقدي هو الضمانة الحقيقية لاستدامة أي إنجاز. فالمواطن الذي يسأل قبل أن يصدق، ويتحقق قبل أن يحكم، ويبحث عن رأي المختص قبل أن ينساق وراء التريند، هو الحصن الأول لاستقرار المجتمع.
ولعل التحدي الأكبر الذي يواجهنا اليوم ليس كيف نمنع الناس من الاختلاف، وإنما كيف نحافظ على مرجعيات المعرفة وسط هذا الضجيج الهائل. لأن الأوطان لا تُدار بالصوت الأعلى، ولا بعدد المشاهدات، بل بالعلم، والقانون، والمسؤولية.
قد يختلف الناس حول السياسات، وقد تتباين آراؤهم حول كيفية إدارة الأزمات، وهذا حق طبيعي. لكن ما لا ينبغي أن يصبح طبيعيًا هو أن يحل الانفعال محل المعرفة، وأن يتقدم غير المختص على أهل الاختصاص، وأن تتحول المنصات إلى مرجعية بديلة عن العلم. فحين يفقد المجتمع بوصلته المعرفية، لا يعود الخطر في القضية محل الجدل، بل في العقل الذي سيتخذ القرار في القضية التالية. وعندما نحمي هذا العقل، نكون قد حمينا الوطن من الداخل قبل أن نحمي حدوده من الخارج.



