أقلام حره

مدحت الحلفاوي يكتب: رسائل قائد وحكمة وطن

ليست عظمة القادة فيما ينجزونه على الأرض فحسب. بل في قدرتهم على إدراك قيمة الكلمة وأثرها في صناعة الوعي وبناء الثقة ورفع الروح المعنوية. فالكلمة حين تصدر عن قائد في توقيتها المناسب تصبح رسالة تحمل معاني تتجاوز حروفها. وتصل إلى من يعنيهم الأمر دون ضجيج أو مبالغة. ولذلك فإن القادة الحقيقيين لا يختارون بدايات حديثهم مصادفة. بل يجعلون من كل كلمة مدخلا إلى رسالة ومن كل رسالة جسرا يعبر به الوطن نحو مزيد من التماسك والأمل. ومن هنا جاءت بداية كلمة السيد الرئيس في افتتاح مقر الأوكتاجون لتستحق التوقف والتأمل فيما حملته من دلالات ومعان.
ومن هنا ندرك أن القيادة ليست في القرارات وحدها. وإنما في معرفة متى يقال وكيف يقال ولمن يقال. فالكلمة حين تخرج في توقيتها الصحيح قد تصبح قوة تدفع أمة كاملة إلى الأمام وتمنح الملايين شعورا بالثقة والانتماء.
وخلال افتتاح مقر الأوكتاجون كان الجميع ينتظر الحديث عن هذا الصرح الوطني الكبير وما يمثله من إضافة جديدة لقدرات الدولة المصرية. لكن السيد الرئيس بدأ كلمته بتهنئة منتخب مصر على تأهله إلى دور الستة عشر. وكان هذا الاستهلال يحمل في طياته رسائل تجاوزت حدود المناسبة نفسها.
يمكن قراءة هذه البداية باعتبارها نموذجا لحكمة القيادة في اختيار أولويات الخطاب. فالمنتخب الوطني في تلك اللحظة لم يكن يمثل لاعبين داخل المستطيل الأخضر فقط. بل كان يمثل آمال ملايين المصريين الذين تابعوا رحلته وتعلقوا بحلمه. وكانت كلمة التهنئة رسالة تقدير لما تحقق ورسالة تؤكد أن كل إنجاز يرفع اسم مصر يجد التقدير والاهتمام.
ومن زاوية أخرى يمكن قراءة هذه التهنئة باعتبارها رسالة تحفيز إلى منتخب مصر قبل استكمال مشواره في البطولة. فاللاعبون وهم يمثلون وطنهم يدركون أن كل كلمة دعم تصل إليهم من داخل مصر تمنحهم دفعة جديدة من الثقة والإصرار. وحين تأتي هذه الرسالة في مستهل خطاب رسمي فإنها تحمل قيمة معنوية كبيرة وتؤكد أن الوطن كله يقف خلف أبنائه ويؤمن بقدرتهم على مواصلة الإنجاز ورفع اسم مصر عاليا.
وفي الوقت نفسه حمل هذا الاستهلال رسالة إلى الشعب كله. رسالة تؤكد أن الدولة تحتفي بكل نجاح يحققه أبناؤها سواء كان في ميدان البناء أو في ميادين الرياضة أو في أي مجال من مجالات العطاء. فالوطن لا يبنى بالحجر وحده وإنما يبنى أيضا بالإنسان الذي يحمل رايته ويدافع عن اسمه ويصنع له مكانة بين الأمم.
ولعل أجمل ما في هذه اللحظة أنها جاءت قبل الدخول في تفاصيل المناسبة نفسها. وكأنها تؤكد أن بناء الإنسان ورفع روحه المعنوية لا يقلان أهمية عن بناء المشروعات والمنشآت العملاقة. فالأوطان القوية هي التي تجمع بين قوة الإنجاز وقوة الإنسان.
وهذه هي حكمة القيادة المصرية. قيادة تدرك أن بناء الإنسان يبدأ أحيانا بكلمة صادقة قبل أن يبدأ بمشروع جديد. وأن رفع الروح المعنوية لا يقل أهمية عن تشييد الصروح العملاقة. فالكلمة الحكيمة في لحظتها قد تصنع أثرا يبقى في النفوس كما تبقى الإنجازات شاهدة على أرض الواقع.
وفي زمن تتسابق فيه الأمم نحو المستقبل تبقى القيادة الحكيمة هي التي تعرف كيف تجمع أبناء وطنها حول هدف واحد. تبني فيهم روح الانتماء كما تبني على الأرض صروح التنمية. وتؤمن بأن الإنسان هو أعظم استثمار وأن الكلمة الصادقة قد تكون بداية انتصار جديد.
فالكلمة الصادقة حين تصدر عن قيادة تدرك قيمة الإنسان لا تكون مجرد افتتاح لخطاب. بل تكون بداية لمعنى يبقى في وجدان وطن بأكمله.
حفظ الله مصر قيادة وشعبا وجيشا وشرطة. وحفظ أبناءها في كل ميدان. وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار والعزة. وجعل رايتها دائما خفاقة بين الأمم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock