أقلام حره

الإعلام المهني بين حق السؤال وواجب احترام الضيف

بقلم سماح محروس

لم يعد مقبولًا أن تتحول بعض البرامج الحوارية من مساحة للنقاش الهادئ وتبادل الرأي إلى ساحة صراخ ومواجهة، تُدار فيها الحوارات بمنطق الاستفزاز لا بمنطق المهنية، وبأسلوب يغلب عليه الانفعال بدلًا من الحياد والاحتراف.

فالإعلام في جوهره رسالة ومسؤولية، وليس مجرد سباق نحو “التريند” أو محاولة لانتزاع مشهد مثير على حساب الضيف والمشاهد. والمذيع، مهما كان موقفه من القضية المطروحة، ليس قاضيًا يصدر الأحكام، ولا طرفًا في خصومة، وإنما دوره الأساسي أن يطرح الأسئلة، ويفتح المجال لكل الآراء، ويمنح الضيوف فرصة عادلة للتعبير عن وجهات نظرهم دون مقاطعة أو تهكم أو تعالٍ.

وقد تابع كثيرون مؤخرًا إحدى الحلقات التي استضافت السيدة “إيناس”، والتي أثارت حالة واسعة من الجدل بسبب طريقة إدارة الحوار. فبدلًا من مناقشة القضية بهدوء وموضوعية، بدا الحوار وكأنه محاولة لاستدراج الضيفة إلى منطقة انفعالية، من خلال ارتفاع الصوت، وتوجيه الاتهامات، واستخدام مقارنات عاطفية لا تخدم النقاش العام بقدر ما تزيد من التوتر والاستقطاب.

القضية المطروحة، والمتعلقة بالحيوانات الضالة وخطورتها على المواطنين، قضية مجتمعية شديدة الحساسية، ولا يجوز تناولها بمنطق العاطفة وحدها أو الاتهام المباشر. فهي تحتاج إلى رأي علمي واضح من متخصصين، وفي مقدمتهم الأطباء البيطريون وخبراء الصحة العامة والمسؤولون التنفيذيون، حتى يعرف المواطن الحقيقة بعيدًا عن المزايدات.

هناك فارق كبير بين حيوان أليف يعيش داخل منزل تحت رعاية صاحبه ومسؤوليته، وبين حيوانات ضالة في الشوارع بلا رقابة، قد تمثل خطرًا على الأطفال وكبار السن والمارة، خاصة في ظل تكرار حوادث العقر وانتشار حالة من القلق بين الأهالي في عدد من المناطق. ومن هنا، فإن مناقشة هذا الملف يجب أن تقوم على التوازن بين الرحمة بالحيوان وحماية الإنسان، لا أن تتحول إلى معركة كلامية أو وصم طرف من الأطراف بالقسوة أو انعدام الإنسانية.

كما أن من أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإعلام هو شخصنة القضايا العامة. فحين تتحول التجربة الشخصية للمذيع إلى معيار للحكم على المجتمع كله، يختل ميزان الحوار. الرأي الشخصي من حق الجميع، لكن فرضه على الضيف والمشاهد بالصوت العالي يفقد البرنامج قيمته المهنية، ويجعل الشاشة أقرب إلى منصة للضغط النفسي منها إلى مساحة للنقاش العام.

وهنا تبرز مسؤولية المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في متابعة مثل هذه الممارسات، والتأكد من التزام البرامج الحوارية بالأكواد المهنية التي تضمن احترام الضيوف، وعدم الإساءة إليهم، وعدم تحويل الحلقات إلى محاكمات علنية بلا أدلة أو متخصصين. فحرية الإعلام لا تعني الفوضى، وجرأة الطرح لا تعني الإهانة، والانتصار لقضية ما لا يبرر أبدًا إهدار قواعد الحوار المحترم.

إن الجمهور لم يعد بحاجة إلى صراخ جديد على الشاشات، بل إلى إعلام يشرح ويحلل ويستضيف المتخصصين، ويقدم الحقيقة كاملة دون تهويل أو تضليل. إعلام يحترم عقل المشاهد، ويحفظ للضيف كرامته، ويضع المصلحة العامة فوق السعي وراء الإثارة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نريد إعلامًا يبني الوعي، أم إعلامًا يصنع المعارك؟
الإجابة يجب أن تبدأ من احترام المهنية، والعودة إلى قواعد الحوار الرصين، لأن الإعلام حين يفقد هدوءه وعدله، يفقد معه ثقة الناس وقيمته

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock