أقلام حره

مدحت الحلفاوي يكتب: في زمن التشكيك لماذا اتمسك بمصر

مصر ليست كلمة نرددها ولا علما نرفعه في المناسبات فقط بل هي حكاية عمر تسكن في وجدان كل من عرف معنى الانتماء الحقيقي هي الارض التي منحتنا الاسم والهوية والذاكرة وهي الحضن الذي نعود اليه مهما ابتعدت بنا الطرق واختلفت بنا الاحوال وفي زمن تتعدد فيه الاصوات وتكثر فيه محاولات التشكيك يبقى الحديث عن الوطن واجبا تفرضه المحبة ويفرضه الوفاء لهذا الوطن الذي كان وسيبقى اكبر من كل خلاف وابقى من كل عابر.
في ازمنة الاضطراب يكثر الكلام وتختلط الحقائق بالشائعات وتصبح الاحكام السريعة بديلا عن الفهم ويجد البعض متعة في التشكيك اكثر مما يجدها في البحث عن الحقيقة عندها يبرز سؤال مشروع لماذا يتمسك الانسان بوطنه رغم ما يراه من صعوبات وتحديات.
بالنسبة لي لم يكن التمسك بمصر يوما موقفا عابرا تفرضه الظروف ولا انفعالا مؤقتا تحركه العواطف بل كان قناعة تشكلت عبر سنوات طويلة من العمر والتجربة فالاوطان ليست اماكن نسكنها فقط وانما هي جزء من تكويننا الانساني تتشكل فيها ذاكرتنا وتصنع على ارضها احلامنا وتحمل بين جنباتها قصص افراحنا واحزاننا.
في زمن التشكيك اصبح البعض ينظر الى الوطن بعين الغضب وحدها فلا يرى الا ما ينقصه ويتجاهل ما تحقق ويقيس الاوطان بمعيار اللحظة لا بمعيار التاريخ والحقيقة ان مصر لم تكن يوما دولة عابرة في صفحات الزمن بل كانت على الدوام وطنا ينهض كلما ظن الاخرون انه لن ينهض ويستعيد عافيته كلما راهن المشككون على سقوطه.
لقد مرت على مصر محن اشد مما نراه اليوم عرفت الحروب والاحتلال والازمات الاقتصادية والتحديات الاجتماعية لكنها بقيت… بقيت لان وراءها شعبا يعرف كيف يصبر وكيف يتحمل وكيف يتمسك بارضه عندما تشتد العواصف.
ان حب الوطن لا يعني ان ننكر الاخطاء ولا ان نصمت عن السلبيات فالنقد الواعي ضرورة من ضرورات الاصلاح لكن هناك فرقا كبيرا بين نقد يريد البناء وتشكيك لا هدف له الا الهدم الاول يبحث عن الحلول اما الثاني فيكتفي بزرع الياس في النفوس واقناع الناس بان لا شيء يستحق المحاولة.
وانا اتمسك بمصر لانني اؤمن ان الاوطان لا تقاس بما تعانيه في لحظة معينة بل بما تمتلكه من قدرة على تجاوز الازمات اتمسك بها لانني رايت بعيني كيف تتغير الاحوال وكيف تتبدل الظروف وكيف يبقى الوطن اكبر من كل ازمة واقوى من كل خلاف.
اتمسك بمصر لانني لا اعرف لي وطنا سواها فيها ولدت وعلى ارضها تعلمت ومن خيرها عشت وبين اهلها عرفت معنى الانتماء قد نختلف في الراي وقد تتباين رؤانا حول كثير من القضايا لكن الوطن يجب ان يبقى المساحة المشتركة التي تجمعنا لا الساحة التي تفرقنا.
ولعل اخطر ما يواجه اي امة ليس الفقر ولا الازمات وانما فقدان الثقة في النفس فعندما يفقد الناس ايمانهم بوطنهم يصبح البناء اصعب وتصبح الهزيمة النفسية اخطر من اي تحد خارجي لذلك فان الحفاظ على الامل ليس ترفا بل واجب وطني لا يقل اهمية عن اي جهد يبذل على الارض.
كما ان التمسك بمصر يكتمل بالايمان بدور مؤسساتها الوطنية من جيشها وشرطتها وقيادتها الذين يحملون عبء حماية الوطن وصون استقراره في اوقات شديدة الحساسية ويظلون السند الذي يقوم عليه امن الدولة واستمرارها.
وبعد سنوات طويلة من التجربة والتأمل اجدني اكثر يقينا بان الاوطان لا تحتاج منا الى المزايدات بقدر ما تحتاج الى الصدق تحتاج الى عمل مخلص وكلمة مسؤولة ووعي يدرك ان البناء رحلة طويلة وان الهدم قد يحدث في لحظات.
لهذا اتمسك بمصر وازداد يقينا بها كلما تقدمت بي السنوات لان الاوطان العظيمة لا تقاس بما تواجهه من تحديات بل بما تملكه من قدرة على تجاوزها ولا تقاس بضجيج المشككين بل بارادة ابنائها المخلصين وسيبقى املي ان تظل مصر قوية آمنة مستقرة وان يوفق الله ابناءها الى ما فيه خيرها ورفعتها وان تبقى رايتها خفاقة كما كانت دائما وطن الحضارة والتاريخ والكرامة.
حفظ الله مصر وشعبها وجيشها وقيادتها وجعل مستقبلها اكثر اشراقا وامنا واستقرارا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock