الحرس الثوري يرد بالمضيق.. وترامب يلوّح بالقوة: أين تتجه الأزمة الإيرانية-الأمريكية؟
بقلم محمد جمال قنديل
دخلت المواجهة بين واشنطن وطهران منعطفًا جديدًا وأكثر خطورة، بعدما تجاوزت حدود التصريحات المتبادلة والعقوبات الاقتصادية إلى مواجهة عسكرية مباشرة تهدد بإشعال المنطقة بأكملها. فبعد أن شنّ الجيش الأمريكي غارات جوية استهدفت قواعد ساحلية وأبراج اتصالات على الساحل الجنوبي لإيران، وصفها الرئيس دونالد ترامب بأنها ضربة “قوية للغاية”، جاء الرد الإيراني سريعًا وحاسمًا، ليعيد رسم خريطة التهديدات في واحدة من أكثر الممرات المائية حساسية في العالم.
أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ ضربات استهدفت قواعد عسكرية أمريكية في كل من الأردن والبحرين والكويت، في رسالة واضحة مفادها أن طهران لن تكتفي بالدفاع داخل حدودها، بل ستنقل المواجهة إلى الحلفاء الإقليميين لواشنطن. وفي خطوة أكثر تصعيدًا، أعلنت البحرية التابعة للحرس الثوري إغلاق مضيق هرمز “حتى إشعار آخر”، مشترطة وقف التدخل الأمريكي في المنطقة كشرط لإعادة فتحه. وهو الإجراء الذي لم تُقدم عليه إيران من قبل بهذا الشكل الصريح، رغم تلويحها المتكرر بهذا الخيار على مدى عقود من التوتر مع الغرب.
مضيق هرمز.. الشريان الذي لا يحتمل الإغلاق
تكمن خطورة هذا التصعيد في الموقع الاستراتيجي لمضيق هرمز، الذي يُعد الممر الرئيسي لنحو خُمس إمدادات النفط العالمية، إذ تمر عبره يوميًا ناقلات تحمل ملايين البراميل من النفط الخام والغاز المسال، متجهة إلى أسواق آسيا وأوروبا. ولذلك، لم يكن مستغربًا أن ترتد تداعيات الإغلاق فورًا على الأسواق العالمية، حيث سجلت أسعار النفط قفزة تجاوزت ثلاثة بالمئة خلال ساعات معدودة، فيما تراجعت مؤشرات الأسهم الآسيوية بشكل ملحوظ مع تصاعد المخاوف من امتداد الأزمة إلى حرب إقليمية شاملة تطال حركة التجارة والطاقة في العالم بأسره.
الانقطاع الكامل للكهرباء الذي شهدته مدينة الأهواز الإيرانية، القريبة من الحدود مع العراق والخليج، يعكس بدوره حجم الفوضى التي بدأت تضرب البنية التحتية الإيرانية جراء هذا التصعيد، سواء كنتيجة مباشرة للضربات أو كأثر جانبي لحالة الطوارئ التي تعيشها البلاد.
ترامب بين الرمزية والتصعيد الفعلي
لافت في هذا السياق أن الرئيس الأمريكي اختار أن يواكب التصعيد العسكري برسالة رمزية عبر منصته “تروث سوشيال“، حين نشر صورة لقاذفة شبحية من طراز “بي-2″، في تكرار لنهجه المعتاد باستخدام الصور والمقاطع المولّدة بالذكاء الاصطناعي لتوجيه رسائل سياسية مباشرة إلى الداخل والخارج على حد سواء. هذه الرسالة، وإن بدت شكلية، إلا أنها تحمل دلالة على استعداد واشنطن لتصعيد أكبر إذا استمرت طهران في خطواتها، خاصة أن طائرات “بي-2” الشبحية ترتبط في الذاكرة الجماعية بقدرات الضربات الاستراتيجية بعيدة المدى.
في المقابل، يبدو أن الإدارة الأمريكية تواجه معضلة حقيقية؛ فأي تصعيد إضافي قد يدفع إيران إلى تنفيذ تهديدها بالكامل عبر إغلاق فعلي ومستمر لمضيق هرمز، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الأمريكي والعالمي في ظل الارتفاع المتوقع لأسعار الطاقة، بينما التراجع أو التهدئة قد يُفسَّر كضعف أمام طهران، في وقت تخوض فيه واشنطن معارك سياسية داخلية معقدة.
تفاعلات إقليمية ودولية متسارعة
لا يمكن قراءة هذا التصعيد بمعزل عن الملفات الإقليمية المتشابكة؛ فبينما تشتعل الجبهة الإيرانية الأمريكية، تتواصل في الوقت ذاته محاولات تهدئة أخرى في الملف الليبي عبر اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” في مدينة سرت، فضلًا عن مساعٍ أممية لإنهاء الحرب في السودان. كما تتصاعد المخاوف من خطة استيطانية جديدة في القدس الشرقية، في وقت تستعد فيه إسرائيل لانتخابات الكنيست المقررة نهاية أكتوبر المقبل، والتي تشير استطلاعات الرأي إلى تقدم ملحوظ فيها للجنرال السابق بيني غانتسأو منافسين آخرين على حساب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
هذا التزامن يضع المنطقة أمام مشهد بالغ التعقيد، حيث تتقاطع أزمة الخليج مع ملفات فلسطين وليبيا والسودان، في وقت تبدو فيه الأطراف الدولية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، منشغلة بإدارة أكثر من جبهة ساخنة في آن واحد.
سيناريوهات مقلقة
استمرار إغلاق مضيق هرمز، ولو لأيام معدودة، كفيل بإحداث صدمة حقيقية في أسواق الطاقة العالمية، قد تدفع بعض الدول الكبرى إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية مكثفة على طهران وواشنطن معًا لاحتواء الأزمة قبل انفلاتها. في المقابل، فإن أي محاولة أمريكية أو من حلفائها لفرض إعادة فتح المضيق بالقوة قد تعني عمليًا الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة، بما تحمله من مخاطر جسيمة على الملاحة الدولية والأمن الإقليمي.
الاقتصاد العالمي في مرمى الأزمة
لا يقتصر تأثير إغلاق مضيق هرمز على أسواق النفط وحدها، بل يمتد ليطال سلاسل الإمداد العالمية بأكملها. فالمضيق لا يُعد فقط معبرًا للنفط الخام، بل هو أيضًا طريق رئيسي لناقلات الغاز الطبيعي المسال المتجهة إلى الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها اليابان وكوريا الجنوبية والصين، وهي دول تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة من دول الخليج. أي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر قد يُترجم إلى أزمة طاقة حقيقية في تلك الأسواق، تنعكس بدورها على أسعار السلع والخدمات عالميًا، في وقت لا تزال فيه اقتصادات كثيرة تتعافى من تداعيات أزمات سابقة.
كما أن شركات الشحن والتأمين البحري بدأت بالفعل، وفق مؤشرات أولية، في إعادة تقييم مخاطر العبور عبر المنطقة، وهو ما قد يرفع تكاليف التأمين على الناقلات ويدفع بعض الشركات إلى البحث عن مسارات بديلة أطول وأكثر كلفة، ما يزيد من الضغط على أسعار الشحن العالمية بشكل غير مباشر.
خيارات محدودة أمام الأطراف الإقليمية
تجد دول الخليج نفسها في موقع بالغ الحساسية، إذ إنها معنية بشكل مباشر بأي تصعيد يطال أمن الملاحة في المضيق، سواء بحكم اعتمادها الاقتصادي على تصدير النفط عبره، أو بحكم قربها الجغرافي من ساحة المواجهة المحتملة. وقد دفع هذا الوضع بعض العواصم الخليجية إلى تكثيف اتصالاتها الدبلوماسية مع الأطراف المعنية كافة، سعيًا لاحتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى صدام مفتوح قد يصعب السيطرة عليه لاحقًا.
في المقابل، تبدو طهران حريصة على إظهار أن قرار إغلاق المضيق ليس نزوة عابرة، بل ورقة ضغط استراتيجية تملك القدرة على تفعيلها متى شاءت، في محاولة لإعادة التوازن إلى معادلة الردع مع واشنطن وحلفائها، بعد سلسلة الضربات التي طالت مواقعها الساحلية ومنشآت الاتصالات لديها.
وسط هذا المشهد المتفجر، يبقى السؤال الأهم: هل تملك واشنطن وطهران هامشًا للتهدئة قبل أن تفلت الأمور من يد الطرفين؟ أم أن المنطقة تسير فعليًا نحو مواجهة شاملة تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط لسنوات مقبلة؟ الإجابة، على الأرجح، لن تتأخر كثيرًا، فالأيام المقبلة كفيلة بأن تكشف ما إذا كان إغلاق هرمز مجرد ورقة ضغط مؤقتة، أم بداية فصل جديد وأكثر خطورة في الصراع بين القوتين.



