أقلام حره

نهال الشافعي تكتب : انتصار الدولة للرحمة… الدولة الحديثة لا تُدير الأزمات بالغضب

بقلم / د.نهال الشافعي
باحثة في العلوم السياسية والاستراتيجية

ليس أخطر ما تفعله موجات الغضب أنها ترفع الأصوات، بل أنها تحاول أن تحكم. وحين يصبح “الترند” مرجعية، وتتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى سلطة موازية تضغط على صانع القرار، تصبح الدولة أمام اختبار حقيقي: هل تُدير أزماتها بمنطق الانفعال، أم بمنطق المؤسسات؟

هذا هو السؤال الذي أجاب عنه البيان الأخير لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، لكنه لم يُجب عنه بالكلمات، وإنما بالسياسات.

فما بدا للبعض بيانًا عن الحيوانات الحرة، كان في جوهره إعلانًا عن نهاية مرحلة، وبداية أخرى. نهاية مرحلة كانت فيها القضايا العامة تُختطف أحيانًا بين حملات التحريض، والمعلومات غير الدقيقة، والاستقطاب الحاد، وبداية مرحلة تؤكد أن إدارة الملفات الحساسة لن تكون رهينة للصوت الأعلى، وإنما للعلم والقانون.

لقد كشف هذا الملف عن ظاهرة أخطر من القضية نفسها؛ وهي ما يمكن تسميته بـ”سياسات الغضب”. وهي الحالة التي يتحول فيها الغضب الشعبي، مهما كانت دوافعه، إلى أداة للضغط من أجل فرض حلول سريعة، دون النظر إلى آثارها بعيدة المدى. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح أكبر اختبار للدولة هو قدرتها على مقاومة الانفعال، لا الانحياز إليه.

فالقرارات التي تُصنع لإرضاء الغضب قد تحصد تصفيقًا مؤقتًا، لكنها كثيرًا ما تُنتج أزمات أكثر تعقيدًا. أما الدول التي تُدير المستقبل، فهي لا تبحث عن القرار الأكثر شعبية، بل عن القرار الأكثر قدرة على حماية المجتمع، حتى لو احتاج إلى وقت كي يفهمه الجميع.

ومن هنا جاءت أهمية إعلان الدولة اعتماد برنامج التعقيم والتحصين وإعادة الإطلاق (TNR)، باعتباره المسار العلمي المعتمد دوليًا، بالتوازي مع حظر استخدام السموم أو القتل الجماعي أو أي ممارسات عشوائية خارج الإطار القانوني.

قد تبدو هذه إجراءات فنية، لكنها في الحقيقة تعكس فلسفة كاملة؛ فالدولة هنا لا تتعامل مع المشكلة بمنطق التخلص السريع منها، وإنما بمنطق الإدارة المستدامة. إنها تنقل القضية من ساحة الانفعال إلى ساحة المعرفة، ومن ردود الأفعال إلى التخطيط، ومن الاجتهادات الفردية إلى القرار المؤسسي.

واللافت أن البيان لم يكتفِ بتنظيم التعامل مع حيوانات الشارع، بل أعاد تعريف القضية نفسها. فلم تعد مجرد ملف بيطري، وإنما جزء من منظومة الأمن البيئي والصحي. وعندما يشير إلى أن الكلاب المستأنسة تمثل عنصرًا في الحد من انتشار القوارض والزواحف السامة، فإنه يطرح رؤية أشمل ترى البيئة كمنظومة مترابطة، لا كمشكلات منفصلة.

وهنا تتجلى إحدى أهم سمات الدولة الحديثة؛ فهي لا تنظر إلى الأمن باعتباره أمنًا عسكريًا فقط، وإنما تعتبر أن حماية التوازن البيئي، ومواجهة التهديدات البيولوجية، والحفاظ على الصحة العامة، كلها مكونات للأمن القومي بمفهومه المعاصر.

ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يتحدث البيان عن لجنة تضم وزارات وجهات علمية وأمنية ورقابية، وعن تطوير التشريعات، والتحول الرقمي، وبناء قواعد بيانات، ومواجهة الشائعات. فالدولة لم تُطلق خطة لإدارة الحيوانات، بل أطلقت نموذجًا لإدارة ملف متعدد الأبعاد، تتقاطع فيه البيئة مع الأمن، والعلم مع التشريع، والإعلام مع الوعي المجتمعي.

والأخطر أن هذا الملف كشف كيف يمكن لقضية بيئية أن تتحول، في ساعات، إلى معركة رأي عام تُدار بالانفعال أكثر مما تُدار بالمعلومة. وهنا لا تصبح الأزمة في الكلاب أو الشارع، بل في الطريقة التي يُصنع بها الوعي العام. فكلما تراجعت المعرفة، تمددت الشائعة، وكلما غابت المؤسسات، حضرت الفوضى باعتبارها حلًا زائفًا.

ومن هنا جاءت رسالة الدولة واضحة: إدارة الشأن العام ليست استفتاءً يوميًا على مواقع التواصل، وليست استجابة لحملات الضغط، وإنما مسؤولية مؤسسات تمتلك الخبرة، وتتحمل نتائج قراراتها أمام المجتمع.

لقد انتصرت الدولة للرحمة، لكن الرحمة هنا ليست شعارًا عاطفيًا، ولا تنازلًا أمام الضغوط، وإنما سياسة عامة تحكمها المعرفة ويحميها القانون. فالرحمة التي تتجاهل العلم قد تتحول إلى فوضى، والحسم الذي يتجاهل الرحمة قد يتحول إلى ظلم. أما الدولة الرشيدة، فهي التي تعرف كيف تجمع بين الاثنين.

وفي النهاية، لم يكن البيان انتصارًا لحيوانات الشارع بقدر ما كان انتصارًا لفكرة الدولة نفسها؛ الدولة التي ترفض أن يتحول الغضب إلى سياسة، أو الشائعة إلى قرار، أو الفوضى إلى بديل عن المؤسسات. فعندما ينتصر العلم على الانفعال، والقانون على العشوائية، تصبح الرحمة قوة للدولة، لا تنازلًا منها.

وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي حملها البيان: أن بناء الدولة لا يبدأ من المشروعات الكبرى وحدها، بل يبدأ أيضًا من الطريقة التي تُدار بها أكثر الملفات حساسية. فهناك دول تستجيب للغضب… وهناك دول تقود المجتمع إلى ما هو أصلح له. والدولة الحديثة لا تُدير الأزمات بالغضب، وإنما بالعقل، والعلم، والمؤسسات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock