
حين يتحول الحب الصامت إلى مرثية للندم… قراءة نقدية في ثنائية مدحت الحلفاوي الإنسانية
بقلم/ عيد محمد الحضري
نجح الكاتب مدحت الحلفاوي في تقديم ثنائية وجدانية متماسكة عبر نصيه “حين تأخر الاعتراف” و“حين تأخر الإدراك وانطفأ القنديل” حيث اعتمد على الغوص في المناطق الأكثر هشاشة داخل النفس الإنسانية تلك التي يتشكل فيها الصمت قبل الكلام ويتراكم فيها الإحساس قبل أن يتحول إلى وعي متأخر.
وهنا لا يواجه القارئ نصوصا عابرة… بل يعيش حالة شعورية ممتدة من البوح إلى التأمل.
في الجزء الأول “حين تأخر الاعتراف” تتجلى ملامح صراع داخلي بين رغبة الإنسان في التعبير عما يشعر به وخوفه من خسارة ما قد لا يعوض.
هذا الصراع لا يقدّم كحدث خارجي بل كحالة نفسية تنمو في هدوء حتى يصبح الصمت نفسه جزءا من الفعل الدرامي داخل النص.
ويبدو الكاتب منشغلا ببناء الحالة الشعورية أكثر من أي شيء آخر مما يمنح النص طابعه التأملي الهادئ.
أما في الجزء الثاني “حين تأخر الإدراك وانطفأ القنديل” فينتقل الخطاب إلى مساحة أوسع من التأمل الإنساني حيث يصبح الحب قيمة يتم إدراكها بعد فوات الأوان ويصبح الفقد مرآة تكشف ما لم يلتفت إليه في لحظته الأولى.
وهنا يرتفع النص من مستوى التجربة الفردية إلى مستوى الفكرة الإنسانية العامة.
ومن أبرز ما يمنح الثنائية قوتها التعبيرية ذلك الاشتغال على الصورة كما في قوله “كانت تفتح نافذة الروح للمرة الأخيرة قبل أن يوصدها القدر” وهي صورة تختصر لحظة كاملة من الانفتاح والخذلان في آن واحد.
وكذلك قوله “ما أصعب أن ندرك الكنوز حين تصبح ترابا” وهي جملة ذات طابع حكمي يلامس التجربة الإنسانية العامة.
كما يبرز توظيف الرموز بوصفه عنصرا بنائيا مهما فالقنديل يتحول إلى رمز للحضور الدافئ قبل انطفائه والنافذة إلى لحظة انفتاح داخلي على احتمال لم يكتمل ومحطة القطار إلى عتبة فاصلة بين ما كان وما لن يعود.
ومن الناحية الفنية تبدو الثنائية متماسكة من حيث البناء العام إذ تتصل النصوص بروح واحدة رغم اختلاف العناوين وكأنها مراحل لتجربة شعورية واحدة تبدأ بالاعتراف المؤجل وتنتهي بالإدراك المتأخر.
وفي النهاية يقدم مدحت الحلفاوي نصا إنسانيا يحمل حسا وجدانيا واضحا ويتجاوز حدود الحكاية العاطفية إلى طرح سؤال مفتوح حول الوعي المتأخر بالحب والقيمة لتبقى النهاية معلقة في ذهن القارئ: لماذا لا ندرك قيمة بعض القلوب إلا حين ينطفئ القنديل الأخير؟ وكأن النص لا يتحدث عن حب انتهى بل عن إنسان لم يفهم الحب إلا حين أصبح مستحيلًا.



