
شيرين الشافعى تكتب: ذاكرة الحضارة ورسالة الخلود
في كل حضارة عظيمة، تبقى المتاحف هي الذاكرة التي لا تنطفئ، والصوت الذي يروي للأجيال كيف بدأت الحكاية. وفي مصر، لا تُعد المتاحف مجرد قاعات تضم آثارًا وتماثيل، بل هي صفحات حية من تاريخ الإنسانية، تحفظ روح المكان، وتعيد تقديم عبقرية المصري القديم للعالم بلغة العصر.
ويأتي الاحتفال باليوم العالمي للمتاحف ليؤكد أهمية تلك الصروح الثقافية التي لا تكتفي بعرض الماضي، بل تصنع جسورًا ممتدة بين التاريخ والحاضر، وتمنح الشعوب فرصة لفهم جذورها واستيعاب قيمة تراثها الحضاري.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز المتحف المصري الكبير كأحد أعظم الإنجازات الثقافية والحضارية في العصر الحديث، ليكون أيقونة مصر الجديدة ورسالة حضارية تؤكد أن أرض الفراعنة ما زالت قادرة على إبهار العالم.
فالمتحف المصري الكبير ليس مجرد مبنى ضخم يضم كنوز الأجداد، بل هو شاهد حي على عظمة الإنسان المصري قديمًا وحديثًا، ودليل على أن العبقرية التي بنت الأهرامات ونحتت التماثيل هي ذاتها التي استطاعت اليوم أن تقدم للعالم تجربة متحفية استثنائية تجمع بين أصالة التاريخ وأحدث تقنيات العرض الحديثة.
ويقف المتحف شامخًا بجوار أهرامات الجيزة، في مشهد يختصر آلاف السنين من الحضارة، ليصبح المشروع الثقافي الأكبر في العالم، ونافذة تطل منها البشرية على عظمة الحضارة المصرية القديمة. فمنذ الإعلان عن إنشائه عام 2002، تحول المتحف إلى حلم وطني يجسد طموح الدولة المصرية في الحفاظ على تراثها وتقديمه بصورة تليق بمكانة مصر التاريخية.
ويضم المتحف أكثر من مائة ألف قطعة أثرية نادرة، من بينها المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، التي تُعرض لأول مرة مجتمعة في مكان واحد، إلى جانب تمثال الملك رمسيس الثاني الذي يستقبل الزائرين في مشهد مهيب يعكس قوة وهيبة الحضارة المصرية القديمة.
كما يحتوي المتحف على قاعات عرض متطورة، ومركز ترميم يُعد من أكبر مراكز الترميم في العالم، فضلًا عن قاعات تعليمية ومكتبة أثرية ومناطق ثقافية وترفيهية، ليصبح المتحف مدينة حضارية متكاملة، لا مجرد مكان لحفظ الآثار. وقد زُوّد بأحدث تقنيات الإضاءة والتبريد للحفاظ على القطع الأثرية وفق أعلى المعايير العالمية.
ويمثل المتحف المصري الكبير نقطة تحول حقيقية في قطاع السياحة والثقافة في مصر، بما يقدمه من تجربة استثنائية تمتد عبر أكثر من خمسة آلاف عام من التاريخ، ليغدو وجهة عالمية لعشاق الحضارة والتاريخ، ورسالة تؤكد أن مصر لا تكتفي بحماية تراثها، بل تعيد تقديمه للعالم بروح عصرية تليق بعظمة الماضي.
ولا يتوقف المشهد الحضاري عند المتحف المصري الكبير وحده، فالمتاحف المصرية المنتشرة في مختلف المحافظات تمثل شبكة متكاملة تحفظ ذاكرة الوطن وتوثق لمسيرة الإنسان المصري عبر العصور المختلفة.
فمن متحف بولاق، أول متحف للآثار في مصر الذي أسسه عالم المصريات الفرنسي أوجست مارييت عام 1858، بدأت رحلة مصر الحديثة مع حفظ آثارها وصون تراثها. ثم جاء المتحف المصري بميدان التحرير ليصبح واحدًا من أشهر متاحف العالم، بما يضمه من كنوز أثرية نادرة تحكي تفاصيل الحضارة المصرية القديمة.
وفي الفسطاط، يأخذ المتحف القومي للحضارة المصرية زائريه في رحلة ممتدة من عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الحديث، بينما يقدم متحف الفن الإسلامي واحدة من أكبر مجموعات التحف الإسلامية في العالم، ويعكس المتحف القبطي خصوصية الفن والتراث القبطي في مصر.
أما قصر عابدين وقصر الأمير محمد علي بالمنيل، فيجسدان فخامة العصور الملكية وروعة العمارة والفنون الإسلامية، فيما يوثق المتحف الحربي تاريخ العسكرية المصرية منذ أقدم العصور وحتى العصر الحديث.
وفي الإسكندرية، يبرز المتحف اليوناني الروماني والمتحف القومي كنافذتين على تاريخ المدينة العريق، بينما تتألق متاحف الأقصر وأسوان والمنيا وسقارة كحراس لذاكرة الجنوب وكنوز الحضارة الفرعونية.
كما شهدت السنوات الأخيرة ظهور متاحف حديثة في المدن السياحية مثل متحف الغردقة ومتحف شرم الشيخ، في خطوة تؤكد حرص الدولة المصرية على توسيع رسالة المتاحف وربط الثقافة بالسياحة والتنمية.
إن المتاحف المصرية ليست مجرد مبانٍ تضم مقتنيات أثرية، بل هي ذاكرة وطن، وعنوان لهوية شعب استطاع أن يكتب اسمه في سجل الحضارة الإنسانية بحروف من نور. فهي تحافظ على التاريخ، وتغرس الوعي، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف جذورها والانتماء إلى حضارة تعد من الأعظم في تاريخ البشرية.
وفي اليوم العالمي للمتاحف، تبقى مصر نموذجًا فريدًا لدولة تدرك قيمة تراثها، وتواصل العمل على حمايته وتطويره، لتظل متاحفها منارات ثقافية تشهد على عظمة الماضي، وتؤكد قدرة الحاضر على صناعة المستقبل.
وفي هذا السياق، أعدّت قناة النيل للأخبار ضمن برنامج «هذا الصباح» مجموعة من التقارير الخاصة بمناسبة اليوم العالمي للمتاحف، تناولت خلالها أهمية المتاحف المصرية ودورها في حفظ التراث الإنساني وإبراز عظمة الحضارة المصرية عبر العصور، إلى جانب تسليط الضوء على المتحف المصري الكبير باعتباره أحد أبرز المشروعات الثقافية والحضارية في العالم.
ويعتمد البرنامج على نخبة من الإعلاميين بقناة النيل للأخبار، برئاسة أسامة راضي رئيس القناة، وعلى عبد الصادق مدير البرامج، فيما جاء التقرير من إعداد سمر صلاح، وقراءة التعليق لكل من شيرين الشافعي وحازم البهواشي، ومونتاج طارق سعد.



