
أقلام حره
مدحت الحلفاوي يكتب: حين تأخر الإدراك وانطفأ القنديل
لم تكن الكلمات في الجزء الأول إلا قشوراً تخفي تحتها لباً من الوجع المقيم وحين توقف الحديث عند تساؤلات الصمت كان لا بد من العودة لنبش جمر الحقيقة التي لا تنطفئ. واليوم نتمم ما بدأناه لنكشف كيف يتحول النزيف إلى قداسة وكيف يصبح الندم صلاة في محراب روح لم تكن تطلب من الدنيا إلا لفتة حب غاب عنها الكثير من المعنى. كانت تداوي الجراح وهي تنزف وتغزل من صبرها رداء يستر العثرات لتظل صورة من تحب هي الوطن الذي لا ينحني. وفي لحظة نادرة من لحظات العمر حين حاولت ان تخرج من وقارها الصامت لتجرب لغة الدلال للمرة الاولى قوبلت تلك المحاولة بذهول غافل واستخفاف لم تكن تستحقه. لم يدرك الطرف الاخر وقتها انها كانت تفتح نافذة الروح للمرة الاخيرة قبل ان يوصدها القدر فكان ردها المليء بالرضا انها ارادت ان تكون هكذا ولو لمرة واحدة في حياتها. يا لثمن اليقظة حين تأتي بعد فوات الاوان فقد كانت تلك الروح تود لو تغمض عينيها وتفتحهما فلا تجد للآخرين هما لان همومهم هي التي كانت تضنيها. واليوم وبعد ان غاب الجسد وبقيت الذكرى اصبحت هي المنهج الذي يستلهم منه الصبر والبوصلة التي تعلم كيف يكون الخروج من صراعات الحياة ودروبها الوعرة بامانة ونقاء وترفع يليق بقدسية ذلك العهد. لقد تكشفت الحقيقة اخيرا ان كل بريق الزيف الذي يملأ الدنيا كان سرابا وان القيمة الحقيقية كانت في ذلك القلب الذي رحل وهو يمسك بالعهد ليعلن ان الاخلاص ليس سطورا تكتب بل هو عمر يبذل بلا ثمن. لقد استحال النزيف اليوم تسابيح في محراب النقاء فقد فهم الدرس وعرفت القيمة وصار الصمت دينا لا يسدده إلا الصبر الجميل. ما اصعب ان ندرك الكنوز حين تصبح ترابا وما اقسى ان نعرف قدر المحبة حين يغلق الموت ابواب العتاب. رحلوا وبقيت غصات الندم تنخر في جدران القلب لا صوت يصل اليهم ولا يد تمتد لتعتذر عن استخفاف عابر او غفلة قاتلة. سنظل نقرأ في كتاب رحيلهم دروسا لم نتعلمها الا حين صاروا هم الدرس وصار البقاء بعدهم مجرد انتظار طويل في محطة القطار التي غادرتها كل الوجوه التي كانت تستحق الانتظار. وما أقسى أن نكتشف أن بعض القلوب لم تكن تطلب شيئا… سوى أن تفهم في وقتها. ولم يبق سوى كلماتها وآثارها ذكرى اليمة يتأملها في صمت طويل يعيش على اطلالها كلما مر بخاطرها في قلبه. ويبقى السؤال حاضرا بلا اجابة كيف لم ندرك قيمة من نحب الا حين يختطفهم المرض من بين ايدينا ويغلق باب العتاب الى الابد. اللهم اغفر لها وارحمها واسكنها فسيح جناتك واجعل قبرها روضة من رياض الجنة واجمعنا بها في مستقر رحمتك يا ارحم الراحمين.


