أقلام حره

مدحت الحلفاوى يكتب: حين تأخر الاعتراف….

أحيانا لا يكون الفقد في الرحيل وحده بل في الكلمات التي بقيت حبيسة حتى انتهى كل شيء وكأن بعض المشاعر تولد متأخرة أو ربما تصل متأخرة تماما بعد أن يصبح الاعتراف بلا معنى وبعد أن يتحول الصمت إلى عمر كامل من الندم الذي لا يغير شيئا.
في بعض الحكايات لا تقال الكلمات في وقتها فتتحول إلى وجع متأخر لا يصلح شيئا وكأن الزمن يتعمد أن يتركها معلقة بين ما كان يجب أن يقال وما لم يقل أبدا.
كانت تحبه بصمت يشبه الصلاة لا تعلن ولا تفصح كأنها تخاف أن يفسد الكلام نقاء الشعور أو أن يفقد الاعتراف شيئا من طهارته الأولى.
كانت تمر أمامه كأنها عادية تؤدي تفاصيل يومها ببساطة ظاهرها هادئ بينما داخلها كان كل شيء يضج بما لا يقال وكأن الكلمات خلقت لتبقى حبيسة لا طريق لها إلى الخارج.
وكان يحدثها أحيانا عن علاقاته العاطفية العابرة يروي لها تفاصيل نساء مررن في حياته وضحكات لم تكن هي جزءا منها بينما كانت تستمع بصمت يشبه الانكسار وتخفي خلف هدوئها قلبا يتمزق ببطء دون أن يدري أن كل كلمة كانت تترك داخلها جرحا جديدا وأن المرأة التي يسمعها حكاياته كانت أكثرهن حبا له وأكثرهن ألما منه.
هو لم يكن يدري أن في تفاصيل حضورها حياة كاملة موجهة إليه وأن في صمتها اعترافا كاملا لم يصل إليه يوما.
كانت تكتفي بأن تراه بخير وكأن هذا وحده يكفي لتعويض ما لم يقل وكأن الاطمئنان من بعيد يمكن أن يحل محل كل ما لم يمنح من بوح صريح.
ثم جاء الغياب فجأة لا وقت فيه للشرح ولا مساحة فيه للتراجع وكأن النهاية قررت أن تكتمل دفعة واحدة دون إنذار.
رحلت كما يرحل كل من يترك وراءه سؤالا بلا إجابة وكأن الحياة أغلقت الباب قبل أن تمنح فرصة أخيرة للكلمات.
بعد رحيلها فقط بدأ ما لم يكن يرى يكتشف ببطء موجع أشياء صغيرة كانت تمر بلا انتباه صارت الآن علامات واضحة نظرات لم تفهم وقتها بدأت تتكلم ومواقف عابرة أعادت تشكيل معناها داخل الذاكرة وصمت كان يحمل اعترافا كاملا ظهر متأخرا كما لو أنه كان واضحا منذ البداية لكن العيون كانت مغلقة عنه.
جلس وحده يراجع ما فات لا ليغير شيئا فكل شيء انتهى بل ليحاول فقط أن يفهم كيف يمكن للحب أن يكون حاضرا بكل هذا الوضوح ومع ذلك لا يدرك إلا حين يصبح الإدراك بلا قيمة وكأن الفهم لا يأتي إلا متأخرا ليشهد على ما ضاع.
وفي النهاية لم يبق له منها إلا ذلك الوجع الثقيل الذي يأتي متأخرا حين لا يعود هناك شيء يمكن إصلاحه سوى الذكريات.
جلس وحيدا يفتش داخل صمتها القديم فاكتشف بعد الرحيل أن بعض النساء لا يطلبن شيئا من الحياة سوى أن يشعر بهن من يحببن لكن القدر أحيانا يؤجل الفهم حتى يصبح الاعتراف بلا جدوى ويترك القلب يواجه الحقيقة وحده بعد فوات الأوان.
رحم الله كل قلب رحل وفي داخله كلام لم يقال وكل روح أخفت حبها خوفا أو حياء حتى أخذها العمر قبل أن تسمع ما كانت تتمناه اللهم اربت على القلوب التي أوجعتها الحياة واجعل لمن رحلوا نورا وسلاما لا ينقطع.
وللحديث بقية…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock