أقلام حره

سارة الحربي تكتب .. من قلب ميادين الحروب والنزاعات إلى منابر القرار: المرأة قوة استراتيجية في صناعة السلام وقيادة العمل الإنساني

 

حين تشتعل الحروب وتتحطم المجتمعات تحت وطأة النزاعات المسلحة، لا تدفع المرأة الفاتورة الأقسى بصفتها المتضرر الأول من التداعيات فحسب، بل تبرز كقوة إنقاذ حاسمة وطاقة صمود لا غنى عنها لإعادة الحياة إلى مجاريها. إن التاريخ والواقع المعاصر يثبتان بما لا يدع مجالاً للشك أن المرأة ليست مجرد عنصر هامشي في أوقات المحن، بل هي الصانعة الحقيقية للسلام، وصمام الأمان للاستجابة الإنسانية، والركن الأساسي في فك شفرات النزاعات المعقدة. إن إقصاء المرأة عن طاولات الحوار وميادين القيادة ليس مجرد إجحاف حقوقي، بل هو حكم مسبق بفشل أي جهد لإنهاء الصراعات؛ فالأمن المستدام لا يصنعه حملة السلاح وحدهم، بل تبنيه الأيدي التي تلملم شتات المجتمعات وتزرع بذور الأمل وسط الدمار.

أولاً: المرأة في حل النزاعات والمفاوضات السياسية
شهدت العقود الأخيرة اعترافاً دولياً متزايداً بأهمية وجود المرأة على طاولات المفاوضات. ويعد قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1325 لعام 2000 نقطة تحول تاريخية، حيث دعا إلى مشاركة المرأة الكاملة والمتساوية في كافة جهود الحفاظ على الأمن والسلام.
وتتميز المشاركة النسائية في مفاوضات السلام بخصائص فريدة:

توسيع جدول الأعمال: تميل النساء عند مشاركتهن في المفاوضات إلى طرح قضايا تمس الجوهر المجتمعي والتنموي، مثل التعليم، والصحة، وحقوق الفئات المستضعفة، والعدالة الانتقالية، بدلاً من التركيز الفصائلي على تقاسم السلطة والمكاسب العسكرية فقط.

بناء الجسور والوساطة: تمتلك القيادات النسائية قدرة عالية على الوساطة المجتمعية وتفكيك الخطاب الطائفي أو العرقي، مما يساهم في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة.

ديمومة الاتفاقيات: تشير الدراسات الإحصائية الدولية إلى أن اتفاقيات السلام التي تشارك في صياغتها وتوقيعها النساء تزيد احتمالية استمرارها بنسبة تقارب 35% لمدة 15 عاماً على الأقل، مقارنة بالاتفاقيات التي يُقصى منها العنصر النسائي.

ثانياً: دور المرأة في بناء السلام المستدام بعد الأزمات
لا ينتهي دور المرأة بانتهاء العمليات العسكرية أو توقيع المعاهدات، بل يبدأ دورها الحقيقي في مرحلة إعادة الإعمار وبناء السلم الأهلي:

المصالحة المجتمعية: تقود النساء مبادرات الحوار المحلي ومشاريع السلم الأهلي في المجتمعات المحلية، ويعملن على مداواة الجراح النفسية والاجتماعية والحد من نزعات الانتقام والتطرف والثأر .

مكافحة التطرف والفكر العنيف: تلعب المرأة، خاصة بصفتها الحاضنة الأولى في الأسرة والتعليم، دوراً وقائياً حاسماً في تحصين الشباب ضد الانجرار وراء الجماعات المتطرفة ونبذ العنف.

التمكين الاقتصادي: تسهم النساء في تنشيط الاقتصاد المحلي عقب الحروب عبر إدارة المشاريع الصغيرة والتعاونيات، مما يدعم استقرار العائلات التي فقدت معيلها الأساسي ويقلل من نسب الفقر التي تغذي الصراعات مجدداً.

ثالثاً: قيادة الاستجابة الإنسانية والإغاثية
في أوقات الحروب، تنهار البنى التحتية وتتوقف الخدمات الأساسية، وهنا يبرز الدور الإغاثي الانساني الفوري للمرأة:

الاستجابة الميدانية السريعة: تشكل النساء النسبة الأكبر من الموظفين والعاملين في منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية والمؤسسات الطبية الميدانية، حيث يخاطرن بحياتهن لتوصيل المساعدات الغذائية والطبية للمناطق المحاصرة والمنكوبة.

تلبية الاحتياجات النوعية: تمتلك العاملات في المجال الإغاثي والناشطات قدرة أعلى على فهم الاحتياجات الخاصة بالنساء والأطفال في مخيمات النزوح، مثل الرعاية الصحية الإنجابية، وتوفير الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتأمين مساحات تعليمية آمنة للأطفال.

توثيق الانتهاكات والعدالة: تنشط العديد من الحقوقيات في توثيق جرائم الحرب والانتهاكات التي تتعرض لها المدنيات، مما يمهد الطريق لمحاسبة الجناة وتحقيق العدالة الدولية والمحلية في مراحل ما بعد الصراع.

التحديات التي تواجه المرأة في هذا المسار
رغم هذه الجهود والنجاحات، لا تزال المرأة تواجه عقبات جمة تحد من فعاليتها المطلقة:

التهميش السياسي والاجتماعي: استمرار النظرة النمطية والتقليدية التي تحصر دور المرأة في الجانب الرعائي والإنساني وتستبعدها من مراكز صنع القرار السياسي والأمني العليا.

المخاطر الأمنية: تعرض الناشطات والموظفات والمدافعات عن حقوق الإنسان للاستهداف المباشر، والاعتقال، والتهديد، والعنف الجسدي واللفظي من قبل أطراف الصراع.

نقص التمويل والدعم: تعاني المنظمات النسائية المحلية في بعض الدول من ضعف التمويل المالي المباشر مقارنة بالمنظمات الدولية الكبرى، مما يقلص من قدرتها على التوسع والاستدامة في برامجها الإغاثية والتنموية.

خاتمة..
تأسيساً على ما تقدّم، يتجلى لنا بوضوح أن إقصاء المرأة عن مسارات صناعة السلام ليس مجرد هدر لطاقة نصف المجتمع، بل هو وصفة مضمونة لاستدامة الحروب وتعميق المآسي الإنسانية. إن العالم اليوم يقف أمام خيار استراتيجي حتمي: إما الإبقاء على المقاعد النسائية فارغة والاستمرار في حلقة مفرغة من النزاعات العبثية، أو كسر القيود الهيكلية والأنماط الثقافية البالية لتمكين المرأة من قيادة التغيير. إن السلام الحقيقي المستدام لا يمكن أن يصاغ بحبر البنادق، بل يُبنى بتعزيز الصمود المجتمعي، وتضميد الجراح، وبناء العدالة الانتقالية؛ وهي ميادين أثبتت المرأة تفوقها الريادي فيها. لقد حان الوقت للمجتمع الدولي والحكومات أن يدركوا أن الاستثمار في قيادة المرأة للأمن والإغاثة ليس ترفاً أو خياراً دبلومسياً، بل هو الركيزة الأساسية والوحيدة للعبور بالبشرية من مستنقعات المواجهات إلى آفاق الاستقرار والازدهار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock