
ماذا لو كانت حياتك التي تحاول إصلاحها ليست حياتك أصلًا؟
بقلم الكاتبة والمدربة دعاء وجيه مقابلة
ماذا لو استيقظت يومًا واكتشفت أنك أمضيت سنوات طويلة تحاول إصلاح حياة لم تخترها بكامل إرادتك؟
ماذا لو كانت أحلامك التي تسعى إليها ليست أحلامك الحقيقية بل توقعات زرعها الآخرون في داخلك حتى أصبحت تظن أنها جزء منك؟
منذ طفولتنا نتعلم كيف نكون مقبولين قبل أن نتعلم كيف نكون أنفسنا. نتعلم ما الذي يرضي الآخرين وما الذي يجعلهم يفخرون بنا وكيف نتجنب خيبات أملهم. ومع مرور الوقت نبدأ بتشكيل شخصياتنا وفقًا لما ينتظره منا المحيطون بنا حتى يصبح السؤال عن رغباتنا الحقيقية سؤالًا مؤجلًا لا نجد له إجابة واضحة.
نكبر ونحن نركض خلف صورة مثالية رسمناها لإرضاء الجميع. نختار أحيانًا ما لا يشبهنا ونستمر في طرق أبواب لا نرغب فعلًا في دخولها ونتمسك بعلاقات تستنزفنا لأننا نخشى أن يُقال عنا إننا لم نحاول بما يكفي.
ثم يأتي يوم نشعر فيه بالتعب دون أن نفهم سببه.
كل شيء يبدو طبيعيًا في نظر الآخرين لكن شيئًا في داخلنا لم يعد يشعر بالانتماء. نحقق ما كنا نظنه نجاحًا فلا نشعر بالرضا ونحصل على التقدير الذي انتظرناه طويلًا فلا نجد فيه الطمأنينة التي تخيلناها.
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
هل أنا متعب لأن الطريق صعب أم لأنني أسير في الاتجاه الخطأ؟
هل أريد هذا الشيء فعلًا أم أنني أخشى أن أتوقف عن السعي إليه بعدما أخبرت الجميع بأنه حلمي؟
هل أتمسك بهذه العلاقة لأنني أحبها أم لأنني لا أريد أن أبدو شخصًا فشل في الحفاظ عليها؟
وهل أعيش حياتي كما أريد أم أعيش النسخة التي تجعل الآخرين أكثر ارتياحًا لوجودي؟
قد تكون هذه الأسئلة مزعجة لأنها تجبرنا على مواجهة حقائق أجّلنا الاعتراف بها لكنها في الوقت نفسه قد تكون بداية لاستعادة أنفسنا من بين كل الأدوار التي أتقنّاها حتى نسينا ملامحنا الحقيقية.
ليس من السهل أن تعيد النظر في اختيارات بنيت عليها سنوات من عمرك وليس من السهل أن تعترف بأن بعض الطرق التي بذلت فيها جهدًا كبيرًا لم تكن مناسبة لك منذ البداية. لكن الأصعب من ذلك أن تستمر في طريق لا يشبهك لمجرد أنك قطعت فيه مسافة طويلة.
فنحن لا نخسر أعمارنا فقط عندما نفشل بل قد نخسرها أيضًا عندما ننجح في تحقيق أهداف لا تمنحنا أي شعور بالحياة.
ولا يعني هذا أن نتخلى عن مسؤولياتنا أو نهرب من التزاماتنا كلما شعرنا بالضيق بل يعني أن نمتلك الشجاعة لمراجعة دوافعنا وأن نفرّق بين ما نختاره عن قناعة وما نفعله بدافع الخوف أو العادة أو الحاجة المستمرة إلى إثبات قيمتنا.
فالوعي لا يطلب منا أن نهدم حياتنا بل أن نفهمها. ولا يدعونا إلى رفض الآخرين بل إلى التوقف عن رفض أنفسنا من أجلهم. ولا يعني أن نعيش بلا قيود بل أن نعرف أي القيود ضرورة وأيها صنعناه بأيدينا ثم نسينا أننا نستطيع مراجعته.
ربما لا تحتاج حياتك إلى إصلاح شامل كما تظن. ربما تحتاج فقط إلى أن تتوقف قليلًا وتسأل نفسك بصدق عن الاتجاه الذي تسير فيه.
أن تعيد ترتيب أولوياتك وأن تمنح أحلامك الحقيقية فرصة للظهور وأن تتصالح مع فكرة أن تغيير رأيك ليس دائمًا تراجعًا وأن الاعتراف بأن شيئًا لم يعد يناسبك ليس دليلًا على ضعفك.
فالنضج ليس أن تتمسك بكل قرار اتخذته في الماضي حتى النهاية بل أن تمتلك الحكمة لتعرف متى تستمر ومتى تعيد الاختيار.
أحيانًا لا تكون المشكلة أنك لم تصل إلى الحياة التي تريدها بل أنك لم تتوقف يومًا لتسأل نفسك إن كانت هذه هي الحياة التي تريدها فعلًا.
وفي نهاية الأمر قد تكون أعظم خطوة نحو التغيير ليست أن تبذل جهدًا أكبر ولا أن تتحمل أكثر ولا أن تثبت للعالم أنك قادر على النجاح.
قد تكون أعظم خطوة هي أن تمنح نفسك لحظة صدق وتسألها بعيدًا عن ضجيج التوقعات وأصوات الآخرين:
لو لم يكن عليّ أن أثبت شيئًا لأحد ولو لم أخشَ خيبة أمل أحد ولو امتلكت حرية الاختيار من جديد فهل كنت سأختار الحياة نفسها؟
لا تتعجل الإجابة.
فربما لا يغيّر هذا السؤال حياتك في لحظته لكنه قد يغيّر الطريقة التي تعيش بها من الآن فصاعدًا.
وربما تكتشف أن الحياة التي كنت تبحث عنها طوال الوقت لم تكن بعيدة عنك كما ظننت بل كانت تنتظر منك أن تتوقف عن البحث عن نفسك في توقعات الآخرين.
فليس كل طريق طويل يستحق أن نكمله وليس كل حلم قديم ملزمًا بأن يبقى حلمنا إلى الأبد. أحيانًا تكون الشجاعة الحقيقية أن نعيد الاختيار قبل أن نمضي عمرًا كاملًا في الاتجاه الخطأ.
الكاتبة والمدربة دعاء وجيه مقابلة



