
سارة الحربي تكتب وتطرح سؤالا ؟ هل يهرب منكِ خوفاً؟ أم يمارس تلاعباً نرجسياً عليكِ؟
يحبكِ ويشتاق إليكِ ولكنه يختنق كلما اقتربتِ.. هل يهرب خوفاً على حريته أم يمارس عليكِ "تلاعباً نرجسياً" للحصول على مراده؟
هناك خيط رفيع جداً وفارق مرعب بين رجل يحبك بصدق ولكنه يرتعب من القرب العاطفي ويحتاج إلى مساحة، وبين “صياد ماهر” يرتدي قناع الضحية الخائفة ليرسم عليكِ شباك التلاعب. الأول يصارع مخاوفه ويحتاج إلى الطمأنينة، والثاني يمارس تمثيلية الحب والجدية كطُعم مدروس ليحصل منكِ على مكاسب عاطفية، جسدية، أو مهنية، ثم ينسحب فجأة ليترككِ غارقة في التساؤلات والتخمينات. في هذا المقال، نفكك شفرة “الهروب العاطفي”، ونكشف الأقنعة لتتعلمي كيف تفرقين بين النضج والتلاعب، ومتى يكون الانسحاب هو الحل الوحيد لحماية كرامتكِ.
بين الرغبة في الاحتواء والخوف من القيود، تتأرجح الكثير من العلاقات الإنسانية. في سلسلة “الرجولة والنضج العاطفي”، نسلط الضوء على واحدة من أكثر المعضلات النفسية شيوعاً في العلاقات: الرجل الذي يحب بصدق، يسعد بوجود شريكته، يشتاق إليها ويستمتع بقربها، ولكن… ما إن تبدأ العلاقة في التعمق، وتزداد المشاعر وتكبر المسؤوليات، حتى يتسلل إليه شعور غريب بالاختناق.
فجأة، يتبدل الحال؛ يبدأ في خلق مسافات مصطنعة، يقلل التواصل، يغرق في العمل، أو يشعر علناً بأن العلاقة باتت تقضم من حريته واستقلاليته. هنا، تقع الشريكة في حيرة وتساؤل: “لماذا يبتعد بعد كل هذا الحب؟ هل تراجع عن مشاعره؟ أم أنه يخاف الالتزام؟”
شفرة الهروب المفاجئ: معضلة “أريدكِ.. ولكن اختنق!”
الحقيقة العلمية وراء هذا السلوك تكشف أن بعض الأشخاص يحتاجون إلى الحب والقرب العاطفي بشدة، لكنهم في الوقت ذاته يعجزون عن تحمل الكثافة العاطفية التي تتطلبها العلاقات المستقرة. هذا السلوك يرتبط غالباً بمفهومين في علم النفس: الخوف من القرب العاطفي (Fear of Intimacy)، أو سمات نمط التعلق التجنبي (Avoidant Attachment).
ومع ذلك، يجب الحذر من إطلاق الأحكام الجاهزة؛ فليس كل رجل يطلب مساحة خاصة هو بالضرورة صاحب تعلق تجنبي، وليس كل من يبتعد يخاف الحب. أحياناً يكون الأمر مجرد عدم جاهزية لخوض علاقة، أو غياب التوافق، أو حاجة طبيعية للاستقلالية.
احذري الفخ: عندما يكون الهروب قناعاً لـ “التلاعب النرجسي”
هنا يجب أن نتوقف طويلاً لنفرق بين شخص لديه مخاوف حقيقية يحاول فهمها، وبين نوع آخر أخطر بكثير في علم النفس، وهو “المتلاعب السيكوباتي أو النرجسي” (Narcissistic Manipulator) الذي يمارس حيلة تُعرف باسم “قصف الحب” (Love Bombing). هذا الشخص لا يهرب لأنه خائف من القرب، بل يهرب لأنه انتهى من استغلال الضحية بعد الحصول على مراده.
هذا النوع بارع في التمثيل وإثبات براءته بطرق سينمائية ومدروسة لإزالة أي شكوك؛ فمثلاً، لكي يثبت للفتاة أنه صادق وليس كاذباً أو “محوراً”، قد يقوم بإرسال وثيقة رسمية مثل “قسيمة الطلاق”، بل ويذهب لأبعد من ذلك ويطلب مقابلة أهلها ليعطي العلاقة صبغة جادة تماماً. كل هذا المجهود الخرافي ليس دافعه الحب أو الاستقرار، بل هو مجرد وسيلة لإقناعها وتجريدها من دفاعاتها النفسية للوصول إلى أهداف خفية: مثل التجاوزات الجسدية غير الأخلاقية، أو تحقيق مصالح مهنية ومالية مشتركة.
والسيناريو المتوقع هنا يكون صادماً؛ فبعد أن يقنعها تماماً بحبه ونيته في الزواج، ويحصل على مبتغاه ومصالحه، يقرر فجأة وبكل برود الانفصال والبعد ويعاملها معاملة سيئة للغاية من جفاف واهمال وبرود متعمد ومقصود وعدم احترام وتقدير وكأنه لم يحبها وكان كلامه وحبه لها خدعة كبيرة مزيفة مدروسة ومخطط لها وقناع مرعب له ليصل لنطق اسم فتاة وسيدة اخري كان علي علاقة بها امامها حتي يجرح كرامتها وانوثتها ويطعنها في احساسها ليشعرها ان يوجد غيرها في حياته وقلبه وليست هي وانه محاط بالفتيات وانه مرغوب وغير مضمون وحتي يبدا الانساحب البطئ وتكون حيلة رخيصة وفي قمة الانحطاط الاخلاقي والشعوري والانساني منه لانه ليس رجل . ولكن الأغرب بعد كل هذا أنه يطلب أن يبقيا ويظلوا”أصدقاء”، ويرفض عمل “بلوك” لها من مواقع التواصل. هذه الحيلة النفسية تُسمى “البقاء في المنطقة الرمادية” (Keeping options open / Breadcrumbing)، حيث يتهرب من المقابلة ويتحجج دائماً بأعذار واهية، ويعطل الشغل والمصالح المشتركة بينهما كنوع من العقاب أو السيطرة، لكي تتذل وتستنزف له الفتاة وتنفذ مطالبه الغير اخلاقية وغير مشروعة لكي يبقي ويجيب علي اتصالاتها وحين تواجهه الفتاة بأنه يتهرب ولا يريد رؤيتها، ينكر ذلك ويدعي العكس تماماً لكي يتركها معلقة بين الشك واليقين ويحافظ على وجودها كـ “خطة بديلة” في حياته لرجوع لها بعد فشل علاقاته مع الفتيات الاخريات اوشعوره بالفراغ والوحدة او لرفع الايجو له او انه يريد شعور انه مرغوب ومقبول منها بعد انكساره وسقوط قناعه المزيف الوهمي امام الاخريات والاخرين.
لذلك، نوجه رسالة حاسمة لكل بنت: لا تنخدعي بالمظاهر أو الأوراق أو المقابلات الرسمية إذا كانت الأفعال اللاحقة متناقضة. الرجل الذي يسحب الالتزام فجأة بعد تحقيق مصالحه، ويترككِ في حيرة وتعطيل لحياتك وعملك، ليس رجلاً خائفاً من الحب، بل هو متلاعب يستغل طيبتكِ، والنضج هنا يتطلب قطع الحبال العاطفية معه تماماً لحماية نفسكِ.
المسافة الآمنة أم التهرب الذكي؟ كيف تكشف الفرق
ثمة خيط رفيع يفصل بين الرجل المستقل والرجل المتهرب عاطفياً (بعيداً عن نموذج المتلاعب):
الاستقلالية الصحية (Healthy Independence): رجل يحب شريكته ويستمتع بوجودها، لكنه يحتفظ بحياته الخاصة، أصدقائه، واهتماماته. يمتلك الشجاعة ليقول: “أنا بحاجة لوقت خاص اليوم، وغداً نلتقي”، دون أن يهدد ذلك أمان العلاقة.
الهروب من القرب العاطفي: رجل يرى في احتياج شريكته له محاولة للسيطرة عليه. يخشى أن يفقد ذاته داخل الالتزام، أو يرى في التعبير عن مشاعره ضعفاً يجعله عرضة للرفض، فيبدأ بالانسحاب كلما اقتربت العلاقة من مستوى أعمق.
فخ التربية الصامتة: عندما يصبح الاحتياج للآخرين “ضعفاً”
غالباً ما تعود جذور الخوف الحقيقي (غير المتلاعب) إلى تجارب الطفولة أو العلاقات السابقة. ربما نشأ هذا الرجل في بيئة لم توفر له مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره واحتياجاته، وتلقى درساً مبكراً مفاده أن الاعتماد على النفس هو الأمان الوحيد، وأن الاحتياج للآخرين مرادف للخذلان. كبر وهو يؤمن بأن قوته تكمن في استغنائه التام.
لكن النضج العاطفي (Emotional Maturity) يثبت العكس؛ النضج لا يعني ألا تحتاج الناس، بل يعني القدرة على تحقيق التوازن بين القرب والاستقلال، وهو ما يُعرف بـ الاعتماد المتبادل الصحي (Healthy Interdependence). أن تكون قادراً على القول: “أنا أحبك ومحتاج لوجودك، وفي نفس الوقت متمسك بمساحتي وهويتي”، دون أن تشعر بأن الحب سجن أو أن الاستقلال هروب.
خارطة طريق نفسية: 6 استراتيجيات للعودة دون خوف
إذا كنت تشعر بهذا الاختناق الطبيعي، إليك خطوات عملية لبناء علاقة قريبة دون أن تفقد نفسك:
فكك مخاوفك الداخلية: عندما تطلب شريكتك الاهتمام أو الوضوح، اسأل نفسك بصدق: هل أنا عاجز عن تلبية طلبها، أم أنني أخشى أن يكون احتياجها بداية لمصادرة حريتي؟
استبدل الاختفاء بالوضوح: استبدل الانسحاب المفاجئ بالتواصل المباشر. يمكنك القول: “أنا أستمتع بوقتنا معاً، لكني بحاجة لبعض الوقت المنفرد لأستعيد طاقتي”.
تدرّب على الانفتاح (Vulnerability): مشاركة المشاعر لا تعني كشف كل الأوراق دفعة واحدة، بل تعني السماح للشريك برؤية جوانبك الحقيقية، حتى تلك التي لا تبدو فيها في كامل قوتك.
ابنِ حدوداً لا جدراناً عازلة: الحدود الصحية (Boundaries) تنظم القرب وتحمي العلاقة مع الحفاظ على التواصل. أما الجدران العاطفية (Walls) فتعزل تماماً خوفاً من الوجع، وتمنع الحب من الدخول أساساً.
أعد تعريف مفهوم الالتزام: الالتزام في العلاقة الصحية لا يلغي الطموح أو الأصدقاء. وفي الوقت نفسه، لا يمكن لعلاقة أن تنجح إذا أراد طرف أن يأخذ الحب دون أن يتحمل مسؤولية مشاعر الطرف الآخر.
الحسم والمواجهة المباشرة (الوضوح التام): كرجُل ناضج، يجب أن تكون جاداً وصريحاً تماماً في علاقتك. إذا كنت تريد الاستمرار، صارح شريكتك بكل ظروفك ومخاوفك لتجدا معاً حلولاً وتكملا الطريق سوياً. أما إذا كنت لا تريد إكمال العلاقة، فمن الشجاعة والنضج أن تكون واضحاً وتقولها لها وجهاً لوجه، بدلاً من الاختفاء، واللف والدوران، والتهرب. تذكر دائماً أن أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه هو جرح مشاعر إنسانة، وأن تعشيم الآخرين وتعليقهم بك بلا أمل هو ذنب وتقصير منك غير إنساني وأخلاقي كبير ستحاسب عليه.
حديث من القلب: رسائل خاصة للشريكين
إلى كل رجل يقرأ هذه الكلمات:
ليس عيباً أن تطلب مساحة خاصة، وليس ضعفاً أن تطلب الحب. لست مجبراً على الاختيار بين أن تكون رجلاً مستقلاً أو شريكاً حنوناً؛ يمكنك أن تكون الاثنين معاً. يمكنك أن تحافظ على استقلاليتك وتحب بعمق، وأن تكون قوياً وتتحدث عن مخاوفك.
إلى كل امرأة تحب رجلاً يخشى الاقتراب:
استيعابكِ لحاجته للمساحة أمر جيد، واختلاف طباعكم لا يعني أن أحدكما على خطأ. لكن تذكري دائماً: كرامتكِ، قيمتكِ، وضعكِ، ومكانتكِ خط أحمر لا يقبل التنازل لأي سبب. الفتاة الناضجة لا تهدر تقديرها الذاتي من أجل رجل يتهرب، يختفي فجأة، ويتلاعب بالكلمات دون وضوح أو جدية عاطفية. إذا كان الطرف الآخر غير جاد، وليس على قدر المسؤولية والالتزام، ويمارس الكذب والحجج الغير منطقية وواقعية وغير اخلاقية لتبرير مواقفه؛ فهو بكل بساطة لا يستحق فرصة إضافية، ولا تمنحيه كلاماً لا يمكن تصديقه ولا يُترجم إلى أفعال حقيقية على أرض الواقع. انسحابكِ الواعي من العلاقات المتلاعبة هو قمة القوة والنضج، وليس غياب الفرص.
الخاتمة: كرامتكِ أولاً.. والحب الحقيقي لا يحتاج إلى “استجداء”
في نهاية المطاف، هناك فارق جوهري بين “الاحتواء” و”الاستنزاف”. الحب الصحي مساحة آمنة ونورانية تزيدك رفعة وقيمة وشراكة متبادلة قائمة علي الاهتمام والتقدير والصراحة والالتزام والوضوح والجدية، وليس دهليزاً مظلماً من الحيرة والأعذار المكررة والتأجيل المستمر. الرجل الناضج الذي يخشى القرب سيتحدث عن مخاوفه ويحاول التغلب عليها معكِ، أما المتلاعب فسيظل يختفي ويظهر وفقاً لمصالحه، محتفظاً بكِ في المنطقة الرمادية ليعطل حياتكِ وطاقتكِ.
لا تخلطي بين الصبر على شريك يواجه مشاكله النفسية بصدق، وبين إهدار عمرك وكرامتك مع ممثل بارع يستغل نبل مشاعرك. تذكري دائماً أن من يريدك حقاً سيفعل المستحيل ليكون في حياتك بوضوح وجدية، ومن يرى في وجودك مجرد محطة عابرة لتعافي من بواقي علاقة فاشلة سابقةله أو مصلحة مؤقتة، فإن أجمل ما تقدمينه لنفسك هو إغلاق الباب في وجهه نهائياً والمضي قدماً برأس مرفوعة. كرامتك هي رأس مالك النفسي، والعلاقة التي تهدد هذه الكرامة هي علاقة تستحق النهاية فوراً وبلا ندم
شاركوني آراءكم وتجاربكم
برأيكِ، ما هي العلامة الحمراء القاطعة (Red Flag) التي تكشف لكي أن الرجل الذي أمامك متلاعب نرجسي وليس مجرد شخص خائف من الالتزام؟ وكيف تتصرفين لو اكتشفتِ ذلك؟



