
رسالة سلام وأمان من الأزهر الشريف إلى ضمير العروبة والإنسانية
بقلم سماح محروس
في ظل ما تشهده المنطقة العربية من تصاعد خطير في حدة التوترات والصراعات، وما يحيط بأمتنا العربية والإسلامية من تحديات وتهديدات تمس أمن شعوبها واستقرارها، يظل صوت الحكمة والسلام هو الأمل الذي تتطلع إليه الشعوب لوقف نزيف الدماء، وإطفاء نيران الفتن، وإعلاء قيم الأخوة والتسامح والإنسانية.
ومن هذا المنطلق، تأتي دعوة الأزهر الشريف، بقيادة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، إلى تغليب لغة العقل والحوار، والعمل على جمع حكماء الأمة العربية والإسلامية من أجل الوساطة وإصلاح ذات البين، ووقف الصراعات التي تهدد أمن المنطقة واستقرار شعوبها.
إن الدعوة إلى تشكيل لجنة من الحكماء والعقلاء، تتولى جهود الوساطة وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، تمثل رسالة إنسانية نبيلة تستحق التقدير والدعم؛ لأنها تعيد التأكيد على أن السلام ليس ضعفًا، وأن الحوار ليس تنازلًا، بل هو أسمى صور الحكمة والمسؤولية تجاه الأوطان والشعوب.
فالأمة العربية اليوم ليست في حاجة إلى مزيد من الحروب، وإنما إلى مزيد من الوعي والوحدة والتكاتف، وليس إلى إشعال نيران الصراعات، وإنما إلى إطفائها قبل أن تلتهم مقدرات الشعوب ومستقبل الأجيال.
إن ما يحيط بالمنطقة العربية من مخاطر وتحديات يستوجب من شعوبها وحكوماتها التحلي بأقصى درجات الحكمة واليقظة، وعدم الانسياق وراء دعوات الفرقة أو التحريض أو التصعيد، التي قد تفتح أبوابًا جديدة لصراعات لا يعلم أحد مداها أو عواقبها.
فالحروب لا تترك خلفها سوى الدماء والدمار، ولا يدفع ثمنها الحقيقي إلا الأبرياء من أبناء الشعوب، الذين يحلمون بالأمن والاستقرار والحياة الكريمة.
الجيش المصري لحماية مصر… والتضامن العربي لا يعني الانخراط في الحروب
ومن منطلقي الشخصي، بصفتي مواطنة مصرية أعتز بعروبتي وانتمائي لوطني، أرى أن الحفاظ على أمن مصر وسلامة أبنائها يجب أن يظل في مقدمة الأولويات الوطنية.
وأعلن بوضوح رفضي لأي محاولة لتوريط الجيش المصري في حروب أو صراعات خارجية لا تتعلق بالدفاع عن أمن مصر وسيادتها ومصالحها الوطنية.
فالجيش المصري هو درع الوطن وسيفه، وأبناؤه هم أبناء الشعب المصري، الذين نعتز بهم ونفخر بتضحياتهم في سبيل حماية أرض مصر وحدودها وأمنها القومي.
إن التضامن العربي قيمة عظيمة، والأخوة بين الشعوب العربية والإسلامية واجب أخلاقي وإنساني، ولكن هذا التضامن لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للانخراط في صراعات عسكرية بين دول شقيقة، أو التضحية بأرواح شبابنا في حروب يمكن العمل على إنهائها بالحوار والوساطة والحلول الدبلوماسية.
فالتكاتف العربي لا يعني بالضرورة التكاتف العسكري، والوحدة العربية لا تُقاس بعدد الجيوش المشاركة في الحروب، وإنما بقدرة الدول على حماية بعضها من الانزلاق إلى الصراعات، وإعلاء المصالح المشتركة، وصون دماء شعوبها.
ومن حق كل مواطن مصري أن يخشى على أبناء وطنه من مخاطر الحروب، وأن يطالب بتغليب الحلول السلمية، وأن يؤكد أن حماية مصر وشعبها وأمنها القومي هي المسؤولية الأولى لقواتنا المسلحة.
ونحن لا نرفض مساندة الأشقاء، ولا نتنكر لروابط العروبة والإسلام، وإنما نؤمن بأن أعظم صور المساندة هي السعي الصادق لإيقاف الحروب، وإصلاح ذات البين، ومنع اتساع دائرة الصراع.
فشعوب الدول أولى بحماية أوطانها، والتعاون بين الدول ينبغي أن يقوم على الحكمة والمصالح المشتركة واحترام السيادة الوطنية، لا على الزج بالشعوب في مواجهات عسكرية جديدة.
عفوًا… أبناء مصر ليسوا وقودًا لحروب الآخرين، وأرواحهم أمانة غالية، ومصر أولى بحمايتهم وتضحياتهم.
الأزهر الشريف… صوت الحكمة وضمير السلام
لقد كان الأزهر الشريف، عبر تاريخه الممتد، منارة للعلم والاعتدال، وصوتًا يدعو إلى التسامح والتعايش ونبذ الفرقة والتطرف.
واليوم، تتجدد أهمية هذا الدور في ظل ما تمر به المنطقة من أزمات، لتصبح الدعوة إلى الوساطة والحوار رسالة موجهة إلى ضمير الأمة العربية والإسلامية، وإلى كل من يؤمن بأن حياة الإنسان أغلى من المصالح الضيقة والخلافات السياسية.
وقد أرشدنا الله سبحانه وتعالى إلى الإصلاح بين المتنازعين في قوله الكريم:
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [سورة الحجرات: 9].
وما أعظم هذه الدعوة الربانية التي تجعل الإصلاح وإيقاف الاقتتال واجبًا أخلاقيًا ودينيًا، وتؤكد أن الحكمة الحقيقية تكمن في حقن الدماء، لا في استمرار إراقتها.
إن الأمة العربية والإسلامية بحاجة إلى مشروع حقيقي للسلام والتقارب، يقوم على احترام سيادة الدول، وحماية مقدرات الشعوب، وتغليب المصلحة العامة على الخلافات، ومواجهة المخاطر بالحكمة والوحدة لا بالانقسام والصراع.
رسالة إلى ضمير الأمة العربية والإسلامية
إن وحدة الأمة العربية لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالمواقف الحكيمة التي تحمي شعوبها من الفتن، وتحافظ على أمنها واستقرارها، وتصون ثرواتها ومستقبل أجيالها.
وعلينا جميعًا أن ندرك أن الحروب قد تبدأ بقرار، لكنها لا تنتهي دائمًا بقرار، وأن آثارها قد تمتد لعقود، فتترك وراءها أوطانًا منهكة وشعوبًا مثقلة بالأحزان والخسائر.
لذلك، فإن صوت العقل يجب أن يكون أعلى من أصوات التحريض، وصوت السلام أقوى من طبول الحرب.
ومن هنا، فإنني أؤيد كل دعوة صادقة للوساطة والإصلاح بين الأشقاء، وأرفض في الوقت نفسه أي توجه قد يؤدي إلى جر مصر وجيشها إلى صراعات عسكرية لا تخدم أمنها القومي.
نعم للوحدة العربية… نعم للتضامن مع الأشقاء… نعم للوساطة والسلام… ولا لتوريط الجيش المصري في حروب لا تخص الدفاع عن مصر وأمنها.
وختامًا… سلامًا على مصر وأمتنا العربية
كل التقدير والاحترام للأزهر الشريف وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، ولكل صوت حكيم يدعو إلى وقف الصراعات وإعلاء قيم السلام والتسامح والأخوة بين الشعوب.
ونسأل الله تعالى أن تثمر جهود الإصلاح والوساطة عن وقف نزيف الدماء، وأن يحفظ مصر وجيشها وشعبها، وأن يحفظ أمتنا العربية والإسلامية من الفتن والحروب، وأن يجمع شمل شعوبها على الخير والسلام.
ولتبقَ مصر وطنًا آمنًا، قويًا، عزيزًا، يحمي أرضه ويحفظ أبناءه، ويمد يد السلام إلى أشقائه دون أن يفرط في أمنه أو سيادته.
فمصر وطننا، وأبناؤها أغلى ما نملك، والسلام خيار الحكماء، وحماية الأوطان مسؤولية لا تقبل التفريط.
عاشت مصر آمنة مستقرة، وحفظ الله جيشها وشعبها، وأدام على أمتنا العربية والإسلامية نعمة الأمن والسلام



