غزة بين ركام الحرب وإغلاق المعابر… ألف ألف لماذا؟!
كتب/ رامي الغف*
ثلاث سنوات من الحرب والدمار والنزوح والقهر، ثلاث سنوات وغزة تنزف، والبيوت تُهدم، والعائلات تُقتلع، والأطفال يكبرون في الخيام، والركام يعلو فوق الركام، حتى مات الإندهاش من هول ما نرى!
في غزة، لم يعد السؤال: كيف نعيش؟ بل أصبح السؤال: كيف نبقى على قيد الحياة؟!
نازحٌ بلا بيت، وطفلٌ بلا مدرسة، ومريضٌ بلا دواء، وجريحٌ ينتظر طريق العلاج، وأسرةٌ تبحث عن مأوى، وأبٌ وأمٌ ينتظران فتح معبرٍ قد يحمل إليهما باب النجاة!
ومع إغلاق المعابر أو تقييد حركة العبور، تتضاعف المأساة؛ فهناك مريض ينتظر العلاج، وطفل يحتاج إلى رعاية، وأسرة تنتظر لمّ شملها، ونازح يبحث عن طريقٍ آمن، فيما يبقى الجميع أسرى الانتظار!
ألف ألف لماذا… ولا إجابة تشفي وجع الناس!
لماذا يقف الفلسطيني طوابير أمام مراكز المساعدات وأمام أبواب المخابز ومراكز التموين؟ لماذا تنقطع الكهرباء والمياه، ويشح الغذاء والدواء والمحروقات؟ لماذا تُترك المستشفيات والمدارس والبنية التحتية تحت وطأة الانهيار؟ ولماذا يُحرم أطفالنا من مدارس ومختبرات ومكتبات وتقنيات تليق بأحلامهم ومستقبلهم؟!
ولماذا يبقى النازح بين الخيمة والركام، ينتظر الإغاثة وإعادة الإعمار؟ لماذا تصبح أبسط حقوق الإنسان — العلاج، والمأوى، والتعليم، وحرية الحركة، ولمّ شمل الأسرة — رهينةً للانتظار؟!
أيها العالم، غزة ليست رقماً في تقرير، والنازح ليس صورةً عابرة، والجرحى ليسوا ملفاتٍ تُركن في الأدراج!
هؤلاء بشرٌ لهم أسماء ووجوه وأحلام؛ لهم الحق في الحياة، والعلاج، والأمان، والتعليم، والكرامة.
لكن السؤال لا يتوقف عند الحرب والنزوح…
أين وطننا الذي نحلم به؟!
أين مستشفياتنا الحديثة؟ أين مدارسنا ومختبراتنا ومعاهدنا التقنية؟ أين جامعاتنا ومراكز أبحاثنا؟ أين اقتصادنا المنتج؟ أين خطط إعادة الإعمار؟ وأين المشروع الوطني الذي يحوّل تضحيات شعبنا من وجعٍ متراكم إلى نهضةٍ حقيقية؟!
ولماذا يشعر المواطن بأن بعض المسؤولين يتعاملون مع السلطة كامتياز، لا كأمانة؟ ولماذا تتسع الفجوة بين الفقراء وأصحاب النفوذ؟ وأين الشفافية والمساءلة وحماية المال العام؟!
فلسطين لا تحتاج مزيدًا من الشعارات… فلسطين تحتاج فعلاً، وخطةً، ومحاسبةً، وبناءً!
نريد مشروعاً وطنياً لإعادة الإعمار؛ مشروعاً يعيد للنازح بيته، وللطفل مدرسته، وللمريض مستشفاه، وللجريح حقه في العلاج، وللشباب فرصتهم في العمل، وللوطن قدرته على النهوض.
نريد مؤسساتٍ تخدم الناس، لا أبواباً مغلقة في وجوههم. نريد خططاً معلنة، وموازناتٍ شفافة، وسقوفاً زمنية واضحة، ومسؤولًا يعرف أن المنصب تكليفٌ لا تشريف، وأمانةٌ لا غنيمة!
أيها السادة المسؤولون… أفيقوا!
لا يجوز أن يبقى الفلسطيني محاصراً بين الاحتلال والحرب والنزوح والفقر وإغلاق المعابر وتعقيدات الإدارة!
لا يجوز أن تصبح كرامة الإنسان مؤجلة، ومستقبل الأطفال رهينة، والعلاج حلماً، والمأوى أمنية، وفتح المعبر خبراً ننتظره كل صباح!
ومن بين الخيام والأنقاض، ومن صرخات المرضى والجوعى والنازحين، يخرج السؤال الذي لا يموت:
إلى متى؟!
إلى متى يبقى النازح يبحث عن سقف؟ والمريض عن طريق للعلاج؟ والطفل عن مدرسة؟ والأسرة عن سبيلٍ آمن يجمع شملها؟!
فلسطين ليست كرسياً، ولا منصباً، ولا غنيمة، فلسطين وطن شعبٍ ضحّى وصبر وصمد، وشعبها يستحق أن يعيش بحرية وكرامة وعدالة وأمان.
لا نريد وطناً يُدار بالانتظار… بل وطناً يُبنى بالعمل!
لا نريد مسؤولين يكتفون بالكلام… بل مؤسساتٍ تقدّم الحساب!
لا نريد مستقبلاً يُرسم فوق معاناة الناس… بل مستقبلاً يصنعه أبناء فلسطين!
آن أوان البناء… آن أوان العدالة… آن أوان أن يكون الإنسان الفلسطيني أولاً!



