أقلام حره

“وجيه نزيه” يكتب : بين مسار الحقوق و توثيق الإنتهاكات و التشهير بالمُمارسات .. الدليل القانوني لتصوير الحوادث في مـصـــر .

تثير ظاهرة تصوير الحوادث و نشرها جدلاً قانونياً و أخلاقياً واسعاً .. حيث يتمركز حولها الخلط بين حق التوثيق من جهة و الإعتداء على الحقوق الجوهرية للأفراد من جهة أخرى .. فبينما لا يُجرم القانون المـصــري عملية التصوير في حد ذاتها كفعل تقني إلا أنه يضع ضوابط صارمة على المُمارسات المُترتبة عليها ،و من ثم تتحول هذه الممارسة إلى جريمة بمجرد مساسها بحرمة الحياة الخاصة أو إنتهاكها لكرامة الأفراد بتصويرهم في لحظات ضعف أو إصابة أو وفاة ،و في هذه الحالات تندرج صراحةً تحت طائلة المادة ٣٠٩ مكرر من قانون العقوبات .

و لذا لا تتوقف المُسائلة عند هذا الحد ،و لكن يمتد قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات ليمنح السلطات الحق في المُلاحقة القضائية لكل من يستخدم المحتوى المصور بطريقة تخدش الحياء العام أو تنتهك القيم المُجتمعية سعياً وراء تحقيق إنتشار رقمي زائف ،و علاوة على ذلك يمثل تصوير مسرح الجريمة و نشره عائقاً أمام سير العدالة لما قد يترتب عليه من عبث بالأدلة أو تأثير سلبي على مُجريات التحقيقات ،و فضلاً عن إحتمالية تعرض الناشر للمسائلة بتُهم التشهير أو نشر أخبار كاذبة إذا اقترن الفيديو بتغطية غير دقيقة أو صادقة .

و علي مُجمل هذا فإن التوجه القضائي المـصــري الحالي في تغليظ العقوبات يعكس وعياً بضرورة حماية النسيج المُجتمعي من الإبتذال الرقمي حيث يكمن الفارق الجوهري في نية المُصور .. ففي حين يُعد توثيق الحادث و تقديمه لجهات التحقيق مَسلكاً قانونياً محموداً و مسئولاً .. لذا فإن السعي وراء إستغلال المآسي إعلامياً لتحقيق شهرة رقمية يسقط حق الفرد في التعبير و يستبدله بمسئولية تحت طائلة جنائية و أخلاقية جسيمة ،و بناءً على ما تقدم يتبين أن الحاجة مُلحة لضبط سلوكي و تشريعي يَفصل بوضوح بين المواطنة الواعية التي تُحترم خصوصية الآخرين و بين الإنتهاك المُمنهج الذي يهدف إلى تحويل المعاناة الإنسانية إلى مادة للإستهلاك و التداول للإبتزاز الرقمي .

و ختاماً لابد أن نعي لحماية الخصوصية أنها ليست خياراً و لكنها واجب أخلاقي و قانوني يفرض علينا إلتزاماً واضحاً في تعاملنا مع الحوادث ،و لذا يجب على الجميع إتباع القواعد الآتية بتقديم يد العون و إبلاغ جهات الإنقاذ حيث تعتبر هي الأولوية القصوى التي تسبق أي تصوير ،و ايضاً تجنب مشاركة أي محتوى يظهر الضحايا أو ينتهك كرامتهم تحت أي ظرف مع قصر التوثيق على الأغراض الرسمية و تقديمه للجهات المختصة فقط كدليل دامغ ،و فضلاً عن رفض التفاعل مع المحتوى الذي يستغل المآسي الإنسانية للإثارة .. فالمسئولية تبدأ بوعي الفرد و من خلال تصرفاته قبل أن تُفرض عليه بالقانون و إنقضاء مُحاسبته .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock